جريدة/
أعاد تصريح رئيس تحالف الفتح هادي العامري بشأن دور الفصائل المسلحة خلال احتجاجات تشرين وما تلاها، ملف العلاقة بين القوى المسلحة والاحتجاجات الشعبية إلى واجهة المشهد السياسي العراقي، في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى حصر السلاح بيد الدولة، وسط حديث عن تحركات سياسية وشعبية قد تتبلور خلال شهر تشرين الأول المقبل.
ويرى الباحث السياسي زيدون السلماني أن حديث العامري لا يمكن قراءته بمعزل عن التطورات السياسية الحالية، معتبراً أن التصريح يحمل رسالتين؛ الأولى موجهة إلى الطبقة السياسية، ومفادها أن الفصائل ما زالت تمثل، بالنسبة إلى بعض القوى، عامل حماية في مواجهة الاحتجاجات أو القوى السياسية المنافسة، ولا سيما التيار الصدري، فيما تتمثل الرسالة الثانية في توجيه إنذار غير مباشر إلى أي قوى تفكر في العودة إلى الشارع، عبر استحضار ما جرى خلال احتجاجات تشرين 2019 وما تلاها من أحداث.
ويشير السلماني في تصريحه لـ”جريدة”، إلى أن ثورة تشرين والاحتجاجات التي شهدتها البلاد منذ عام 2019، وما رافقها من سقوط ضحايا واتهامات باستخدام القوة المفرطة، لا تزال تمثل واحدة من أكثر الملفات حساسية في الذاكرة السياسية العراقية، الأمر الذي يجعل استدعاء أحداثها في الخطاب السياسي الحالي ذا دلالة تتجاوز حدود التصريح نفسه.
التيار الصدري والشارع.. عودة محتملة إلى مربع الاحتجاج
وبحسب السلماني، فإن المشهد قد يشهد خلال شهر تشرين الأول تحركات احتجاجية جديدة، خصوصاً مع اقتراب ذكرى انطلاق احتجاجات تشرين، لافتاً إلى أن التيار الصدري قد يكون القوة الأكثر قدرة على تحريك الشارع في حال قرر العودة إلى النشاط السياسي بصورة أوسع.
ويرى الباحث أن المطالب المحتملة لهذه التظاهرات قد تبدأ من الدعوة إلى انتخابات مبكرة، لكنها قد تتوسع لتشمل مطالب سياسية تتعلق بأداء الحكومة ومجالس المحافظات، وصولاً إلى رفع سقف المطالب باتجاه حل أو إعادة النظر في عمل مجالس المحافظات، مع إمكانية انضمام قوى مدنية إلى الحراك الشعبي.
ويضيف أن استثمار ذكرى تشرين قد يمنح أي تحرك مرتقب زخماً سياسياً وشعبياً، خصوصاً إذا التقت المطالب الصدرية مع مطالب القوى المدنية والشبابية، وهو ما قد يعيد تشكيل معادلة الشارع في مواجهة القوى السياسية التقليدية.
السلاح والضغط الإقليمي.. اختبار جديد للحكومة
في المقابل، يأتي هذا الحراك المحتمل في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتزامن فيها الضغوط الأمريكية والإقليمية مع ملف الفصائل المسلحة في العراق، والدعوات المتزايدة إلى تعزيز سلطة الدولة وحصر قرار السلاح بالمؤسسات الرسمية.
ويربط السلماني بين هذا الملف والضغوط الأمريكية على إيران، معتبراً أن واشنطن تسعى إلى تشديد أدوات الضغط على طهران، الأمر الذي يجعل وجود أذرع سياسية وعسكرية واقتصادية مرتبطة بإيران داخل العراق جزءاً من المعادلة الإقليمية الأوسع.
وبذلك، فإن ملف حصر السلاح بيد الدولة لم يعد شأناً عراقياً داخلياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بتوازنات إقليمية ودولية، فيما تجد الحكومة نفسها أمام اختبار بالغ الحساسية: كيفية فرض سلطة الدولة دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية مع الفصائل، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الاستقرار ومنع عودة الاحتجاجات إلى مستويات يصعب احتواؤها.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو تصريحات العامري بمثابة إعادة فتح لملف لم يُغلق سياسياً منذ تشرين 2019، فيما قد يكون الشارع العراقي على موعد مع اختبار جديد في تشرين الأول، إذا نجحت القوى السياسية والمدنية في تحويل الذكرى إلى منصة لإعادة تحريك الاحتجاجات وطرح مطالب تتجاوز البعد الخدمي إلى إعادة صياغة المشهد السياسي برمته.