جريدة/
سلّط تقرير لصحيفة “العربي الجديد” الضوء على التحولات التي طرأت على نمط الأسرة العراقية خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى تراجع ظاهرة الأسر الكبيرة التي كانت تضم أعداداً مرتفعة من الأبناء، مقابل اتجاه متزايد لدى الأزواج نحو الاكتفاء بطفلين أو ثلاثة، بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة وتغير متطلبات التربية والتعليم والرعاية الصحية.
وبحسب التقرير، فإن الأسرة العراقية التقليدية كانت تنظر إلى كثرة الأبناء باعتبارها سنداً للعائلة، وكانت الأسر الكبيرة جزءاً من الثقافة الاجتماعية السائدة، إلا أن ارتفاع تكاليف الحياة وتبدل أنماط العمل والتعليم والسكن والرعاية الصحية دفع الكثير من الأزواج إلى إعادة حساباتهم بشأن عدد الأطفال، لتصبح القدرة على توفير حياة مستقرة وتعليم جيد ورعاية مناسبة عاملاً أساسياً في قرار الإنجاب.
ويرى التقرير أن التحول لا يرتبط بالجانب الاقتصادي وحده، وإنما يعكس تغيراً أوسع في طبيعة الحياة الاجتماعية داخل العراق، إذ باتت تربية الأطفال تتطلب وقتاً وجهداً ومتابعة أكبر، إلى جانب ارتفاع الإنفاق على التعليم والدروس الإضافية والطبابة والأنشطة الترفيهية، ما جعل الأسرة الصغيرة خياراً أكثر ملاءمة لعدد متزايد من الأزواج.
وينقل التقرير عن موظف حكومي عراقي، أب لطفلين، قوله إن ظروف الحياة تغيرت بصورة كبيرة، ولم يعد توفير الطعام والملابس كافياً، بل أصبحت الأسرة مطالبة بتأمين تعليم جيد ورعاية صحية ومتابعة يومية للأطفال، وهي متطلبات تحتاج إلى وقت وجهد ومال، فيما أوضحت زوجته أن دخليهما بالكاد يغطيان احتياجات الأسرة، وأن زيادة عدد الأطفال قد تعني تراجع مستوى الرعاية والاهتمام الذي يمكن توفيره لهم.
كما ينقل التقرير عن ربة بيت عراقية أنها نشأت داخل أسرة تضم ثمانية أبناء، لكنها اختارت مع زوجها الاكتفاء بثلاثة أطفال، موضحة أن تكاليف التعليم والملابس والطبابة وحتى الأنشطة الترفيهية ارتفعت بصورة كبيرة، ولم يعد بالإمكان تربية عدد كبير من الأطفال بالمستوى الذي يرغب فيه الوالدان.
ويشير التقرير إلى أن التحولات الاجتماعية باتت حاضرة أيضاً في قرارات الأزواج الشباب، إذ ينقل عن موظفة عراقية أنها كانت تتطلع مع زوجها إلى تكوين أسرة كبيرة على غرار الأسرتين اللتين نشآ فيهما، إلا أن ظروف الحياة دفعتهما إلى الاكتفاء بطفل واحد حتى الآن، مع إمكانية إنجاب طفل آخر مستقبلاً وفق قدرتهما على تحمل مسؤوليات التربية.
وينقل التقرير عن الأكاديمي واثق عباس قوله إن “الأسرة العراقية كانت في السابق تقوم على ثقافة القناعة والاكتفاء بالأشياء البسيطة، كما أن ترابط المجتمع والعائلة الممتدة كان يوفر دعماً كبيراً للآباء والأمهات في تربية أعداد كبيرة من الأطفال، فضلاً عن اختلاف النمط الاستهلاكي عن الواقع الحالي”.
ويضيف عباس أن” ارتفاع نسب الطلاق في المجتمع العراقي أسهم أيضاً في تغيير طريقة تفكير بعض الأزواج بشأن الإنجاب”، مبيناً أن “وجود عدد كبير من الأطفال قد يزيد تعقيدات الأسرة في حال وقوع الانفصال، سواء من الناحية النفسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، لتتجه الأسرة العراقية تدريجياً نحو نموذج أصغر حجماً وأكثر ارتباطاً بحسابات الدخل والاستقرار والقدرة على توفير متطلبات الحياة الحديثة”.