بقلم – حازم الأسدي

‏الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى دمشق ليست هي زيارة مجاملة بروتوكولية فقط و انما هي لموضوع، اكبر و اهم من ذلك يجري ترتيبه بين بغداد ودمشق، والدليل أن الطريق إلى الزيارة لم يبدأ من السياسة وحدها، بل من النفط والحدود والمصالح التي ظلت معلقة لسنوات فقبل أسابيع وقّع العراق وسوريا مذكرة تفاهم لإعادة تأهيل خط النفط الممتد من حديثة إلى بانياس، مع دور مرتقب لشركة شيفرون في التنفيذ وقبلها كان وزير الخارجية فؤاد حسين في دمشق يناقش مع الرئيس أحمد الشرع الموضوع نفسه تقريبا، النفط، الأمن، الزراعة والعلاقات الاقتصادية هذا يعني أن زيارة الزيدي، إن تمت، ستأتي بعد أن أنجز الفنيون والدبلوماسيون جزءا من “الشغل”، وليس لفتح الملفات
‏الواضح هو أن العراق و بمساعدة السيد (توم باراك)، بدأ يتعامل مع سوريا باعتبارها جزءا من إعادة ترتيب الجغرافيا الاقتصادية للعراق،فنحن نمتلك النفط لكننا بقينا لزمن طويل نتصرف كبلد محدود الخيارات في تصدير نفطه فالجزء الأكبر من صادراتنا يخرج جنوبا عبر الخليج، فيما بقي المسار التركي عرضة للخلافات السياسية والقانونية والفنية وعندما تتوتر المنطقة أو يصبح مضيق هرمز نفسه جزءا من الصراع بين القوى الدولية يظهر الخلل بسرعة فالدولة التي تعتمد موازنتها بهذا الحجم على النفط لا يصح أن تبقى صادراتها محكومة بجغرافيا ضيقة.

‏لذا فالوصول إلى الساحل السوري يعني أن النفط العراقي يستطيع مستقبلا الوصول مباشرة إلى البحر المتوسط،لكن هذا لا يعني الاستغناء عن البصرة، ولا أعتقد أصلا أن هذا ممكن أو مطلوب، لاعتبارات اقتصادية و لوجستية،لكنها تعني إضافة طريق آخر، وفي تجارة الطاقة، الطريق البديل ليس مجرد أنبوب و انما هو علاقة سياسية أيضا.

‏المشكلة هنا أن البعض قد يختصر المشروع بحسبة سريعة في كم برميل سينقل الخط وكم ستكون أجور المرور؟
‏وهذه حسابات غير دقيقة، فالقيمة الحقيقية لخط حديثة–بانياس تظهر عندما نحسب كلفة المخاطر التي يتعرض لها بلد يصدر معظم نفطه من اتجاه واحد فالعراق يحتاج إلى أن ينظر إلى خطوط الأنابيب باعتبارها جزءا من الأمن القومي و الاقتصادي، مثلما ينظر إلى الموانئ والاحتياطيات النقدية، وقد أعلنت وزارة النفط أصلا أن خط بانياس يأتي ضمن خطة أوسع لتنويع منظومة التصدير، بالتوازي مع تطوير المسار التركي.

‏سوريا ليست ممر للنفط فقط فهناك حدود مشتركة طويلة، وهناك تهديدات امنية و تحديات تواجه الدولتين، فداعش لم ينته كتهديد أمني، وشمال شرق سوريا ما زال منطقة حساسة يمكن لأي اضطراب فيها أن يصل أثره إلى الأنبار ونينوى بسرعة، لهذا أعتقد أن الملف الأمني سيكون حاضرا بقوة في زيارة الزيدي، وربما سيكون في الغرف المغلقة أثقل من بعض الملفات التي ستظهر في البيانات الرسمية
‏فالعراق يريد دولة سورية قادرة على ضبط حدودها هذه مصلحة عراقية امنية كبرى،وفي المقابل، سوريا بنظامها الجديد تحتاج الى العراق سوق لمنتجاتها وللطاقة، والاستثمارات، وممرا سياسيا نحو محيط عربي كانت معزولة عنه لسنوات، والعراق هنا يمتلك فرصة، لكن بشرط ألا يدخل إلى سوريا بالطريقة العراقية المعروفة( وفود واتفاقيات وصور، وبعدها يبقى التنفيذ اسير الخطابات)
‏إذا دخلنا اقتصاديا بشكل مبكر ومدروس، فهناك سوق لإعادة الإعمار يمكن أن تستفيد منها شركات عراقية في الإسمنت والحديد والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية،والأهم عندي هو الربط البري،العراق يستطيع أن ينظر إلى سوريا كبوابة أخرى نحو المتوسط، لا لنقل النفط فقط، وإنما للبضائع مستقبلا إذا توفرت الطرق والسكك والمنافذ الآمنة
‏وهذا ما يعطي للزيارة طابعا جيوسياسي ففتح المسار السوري سيضيف متغيرا جديدا إلى علاقة العراق بتركيا ، فالعراق يريد تطوير خط جيهان ويحتاج تركيا في المياه والتجارة وطريق التنمية، ولذلك سيكون خطأ التعامل مع بانياس باعتباره مشروعا ضد تركيا، فالسياسة الأذكى هي أن تكون للعراق خيارات متعددة، لأن من يمتلك طريقا واحدا للتصدير والتجارة تكون قدرته على التفاوض محدودة مهما كان حجم اقتصاده
‏العراق أمام فرصة لتنفيذ خطوة سياسة التوازن التي يتحدث عنها منذ سنوات ، علاقة مع دمشق من دون محاور، ومصالح مشتركة مع تركيا والخليج وواشنطن وطهران من دون مخاوف
‏لذلك ستكون اهمية و قيمة زيارة الزيدي في قدرته على تنفيذ ما سيتم توقيعه مع سوريا للوصول الى الهدف للمتوسط القريب وهو حدود أكثر أمنا، وتجارة فاعلة بين البلدين
‏وغير ذلك، ستكون زيارة رسمية وسياحة دينية فقط