جريدة |..
لم تعد الأزمة بين أربيل والسليمانية مجرد خلاف حزبي أو تنافس عائلي على النفوذ بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، بل باتت، وفق قراءات سياسية، تعكس أزمة أعمق تتعلق بمستقبل إقليم كردستان وطبيعة العلاقة بين سلطاته ومركز القرار في بغداد، وسط تساؤلات بشأن الأدوار الإقليمية والدولية التي قد تسهم في تغذية الانقسام وإعادة ترتيب موازين القوى داخله.
وتستحضر هذه الأزمة محطات تاريخية مفصلية، أبرزها أحداث 31 آب 1996، عندما استعان الحزب الديمقراطي الكردستاني بقوات نظام صدام حسين لاستعادة أربيل من سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني، في واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ الصراع الداخلي الكردي.
لكن المفارقة التي يسلط عليها محللون ونخب سياسية الضوء اليوم تتمثل في تغير اتجاه التحالفات؛ فبعدما كانت أربيل قد استعانت ببغداد في مواجهة السليمانية خلال تسعينيات القرن الماضي، أصبحت السليمانية اليوم أكثر انفتاحاً على الاستعانة بالمؤسسات الاتحادية في بغداد لحسم ملفات خلافية مع أربيل، وفي مقدمتها الرواتب والنفط والصلاحيات الاتحادية، فضلاً عن الاستحقاقات السياسية المتعلقة بمنصب رئاسة الجمهورية.
انقلاب التحالفات.. من تحالفات التسعينيات إلى حسابات المرحلة الحالية
ويرى أصحاب هذه القراءة أن التحولات في العلاقة بين بغداد وأطراف الإقليم لا يمكن فصلها عن المصالح السياسية والاقتصادية، إذ لم تعد التحالفات محكومة بالاعتبارات الحزبية التقليدية وحدها، بل باتت ترتبط بحسابات النفوذ وموازين القوة داخل العراق.
وفي هذا السياق، تبرز العلاقة بين الاتحاد الوطني الكردستاني والقوى السياسية المتنفذة في بغداد، إلى جانب طبيعة علاقته بطهران، بوصفها أحد العوامل المؤثرة في المشهد، في مقابل ما تعتبره أوساط سياسية تراجعاً نسبياً في مساحة التفاهم بين أربيل وبعض الأطراف الاتحادية.
وتذهب هذه القراءات إلى أن تقاطع المصالح بين بغداد والسليمانية قد يمنح الأخيرة أوراق ضغط إضافية في الملفات العالقة مع حكومة الإقليم، ولا سيما ما يتعلق بإدارة الثروة النفطية وتوزيع الإيرادات والرواتب، فضلاً عن إعادة ترتيب النفوذ السياسي في كركوك.
هل تتجه السليمانية نحو إدارة منفصلة عن أربيل؟
ومن بين السيناريوهات التي أثارت نقاشاً سياسياً واسعاً احتمال انتقال الخلاف إلى مستوى المطالبة بإدارة منفصلة للسليمانية، بما قد يؤدي عملياً إلى تكريس واقع سياسي وإداري مزدوج داخل الإقليم.
ويحذر أصحاب هذا الطرح من أن استمرار الخلافات من دون تسوية مؤسساتية قد يفضي إلى نشوء سلطتين سياسيتين وإداريتين متوازيتين، واحدة في أربيل والأخرى في السليمانية، بما يضعف مركزية حكومة الإقليم ويعيد رسم خريطة النفوذ داخله.
غير أن هذا السيناريو يواجه إشكالية دستورية وقانونية تتعلق بوضع إقليم كردستان بوصفه إقليماً اتحادياً قائماً، وليس مجموعة محافظات منفصلة يمكن لكل واحدة منها إعلان إقليم مستقل بصورة أحادية.
الدستور العراقي.. هل يسمح بانفصال السليمانية؟
وتنص المادة 117 من الدستور العراقي على الاعتراف بإقليم كردستان وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً، فيما تنظم المادة 119 حق محافظة أو أكثر في تكوين إقليم، ضمن الإجراءات الدستورية والقانونية المحددة.
وبحسب القراءة القانونية التي يستند إليها الرافضون لفكرة انفصال السليمانية بصورة منفردة، فإن المادة 119 لا توفر مساراً مباشراً لمحافظة تقع أصلاً ضمن إقليم اتحادي قائم كي تنفصل عنه بإرادة أحادية، الأمر الذي يجعل تفكيك الإقليم أو تغيير وضعه الدستوري مسألة تتطلب معالجة دستورية، وليس مجرد تفاهم سياسي بين الأحزاب.
لكن الجدل لا يتوقف عند النصوص الدستورية؛ إذ تبرز مخاوف من أن تتقدم التفاهمات السياسية والوقائع الإدارية على المعالجات القانونية، خصوصاً في ظل التجاذبات المستمرة بين أربيل وبغداد والسليمانية.
تقاسم النفوذ.. السيناريو الأكثر إثارة للقلق
وتحذر قراءات سياسية من أن استمرار الانقسام قد لا يقود بالضرورة إلى إعلان إقليم جديد بصورة رسمية، بل ربما ينتج صيغة من الإدارة المنفصلة بحكم الأمر الواقع، من خلال توسيع استقلالية القرار الإداري والمالي والأمني في السليمانية، مع استمرار الاعتراف الدستوري بإقليم كردستان بوصفه كياناً اتحادياً واحداً.
ويرى أصحاب هذه المخاوف أن مثل هذا المسار قد يفتح الباب أمام تكريس إقليمين فعليين داخل الإقليم الواحد، أحدهما يتمحور حول نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل ودهوك، والآخر حول نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية ومناطق نفوذه، وهو ما قد ينعكس على وحدة القرار السياسي والأمني والاقتصادي للإقليم.
بغداد وطهران.. مصالح تتجاوز الخلاف الحزبي
وتضع هذه القراءة الدورين العراقي والإيراني ضمن الحسابات الأوسع للأزمة، انطلاقاً من أن مواقف القوى الإقليمية والاتحادية لا تنفصل عن مصالحها في ملفات النفط والغاز والأمن والنفوذ السياسي، فضلاً عن التوازنات المتعلقة بكركوك والمناصب السيادية.
وبينما قد ترى أطراف في بغداد أن التعامل المباشر مع السليمانية يمنحها فرصة أكبر للتأثير في الملفات الخلافية مع أربيل، فإن أي حديث عن وجود مشروع منسق لتقسيم الإقليم يظل بحاجة إلى أدلة ومواقف معلنة، ولا يمكن اعتباره حقيقة سياسية محسومة.
وفي المحصلة، تبدو أزمة أربيل والسليمانية أكبر من خلاف على الرواتب أو منصب رئاسة الجمهورية؛ فهي تطرح سؤالاً جوهرياً بشأن مستقبل التجربة الاتحادية في كردستان، وما إذا كانت القوى السياسية ستنجح في إعادة بناء شراكة داخلية تحفظ وحدة مؤسسات الإقليم، أم أن تضارب المصالح والتحالفات الخارجية سيدفع باتجاه تكريس انقسام سياسي وإداري طويل الأمد.