بقلم – د. طالب محمد كريم
لا يواجه العراق مشكلاته داخل حدوده فحسب، بل يتعامل مع بيئة إقليمية تتداخل فيها أزمات الدول المجاورة ومصالحها وصراعاتها. فهو محاط بست دول، تمتد حدوده البرية معها لنحو ٣٦٠٠ كيلومتر: تركيا شمالاً، وإيران شرقاً، وسوريا والأردن غرباً، والسعودية والكويت جنوباً. وهذه الجغرافيا التي يمكن أن تكون مصدراً للتواصل والتبادل الاقتصادي، تتحول أحياناً إلى مجال تتقاطع فيه المخاطر الأمنية والضغوط الاقتصادية والتحديات المائية والتجاذبات السياسية.
المشكلة ليست أن هذه الدول الست تمثل تهديداً للعراق، فلكل منها مصالحها ومشكلاتها الخاصة، وتربطها بالعراق علاقات تاريخية واقتصادية واجتماعية عميقة. إنما تكمن المشكلة في انتقال تداعيات بعض أزماتها إلى الداخل العراقي، في وقت لا يمتلك فيه العراق دائماً الأدوات المؤسسية الكافية لاحتوائها أو تحويلها إلى فرص للتعاون.
فتركيا تواجه تحديات أمنية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه أنقرة منظمة إرهابية، فيما تتداخل علاقاتها مع العراق مع ملفات المياه والتجارة والطاقة والنقل. وهنا يمكن للأراضي العراقية، التي تنظر إليها تركيا من زاوية أمنها القومي، أن تتحول أيضاً إلى مجال لمصالح اقتصادية مشتركة، كما يمكن للخلافات المائية أن تصبح مدخلاً لتعاون مستدام إذا أُديرت باتفاقات واضحة ومتوازنة.
أما إيران، التي تشترك مع العراق بأطول حدود برية، فتتداخل العلاقة معها بين المصالح الاقتصادية والروابط الاجتماعية والدينية والتحديات الأمنية. وتزداد حساسية هذه العلاقة مع تصاعد التوترات الإقليمية والعقوبات والمواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، إذ يصبح العراق عرضة لضغوط وصراعات لا يملك وحده قرار اندلاعها أو إيقافها. لذلك، لا تكمن المشكلة في الجوار الإيراني بحد ذاته، بل في قدرة الدولة العراقية على حماية سيادتها ومصالحها ومنع تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات.
وفي الغرب، تفرض التحديات الأمنية في سوريا، ولا سيما نشاط تنظيم داعش ومخاطر التهريب واضطراب الحدود، ضرورة التنسيق المستمر بين البلدين. فاستقرار سوريا مصلحة عراقية، مثلما أن استقرار العراق مصلحة سورية، ويمكن لهذا الاستقرار أن يفتح آفاقاً للتجارة والنقل والطاقة وإعادة بناء الروابط الاقتصادية. أما الأردن، فتجمعه بالعراق مصالح في التجارة والطاقة والنقل، إلى جانب تحديات أمن الحدود والتهريب والضغوط الاقتصادية. ويمكن تطوير هذه العلاقة من خلال مشروعات مشتركة تجعل أمن الحدود والتنمية الاقتصادية مصلحة متبادلة.
وفي الجنوب، تتيح العلاقات مع السعودية والكويت فرصاً لتطوير الاستثمار والتجارة والطاقة والنقل. كما أن المصالح البحرية والموانئ والممرات التجارية يمكن أن تكون مجالاً للتكامل بدلاً من التنافس الصفري. فالتنسيق الاقتصادي يوسع المكاسب المشتركة، في حين أن تضارب المشروعات وغياب التفاهم قد يزيدان التوترات ويهدران الفرص.
لكن فهم مشكلات الدول الست لا يكتمل من دون النظر إلى مشكلات العراق نفسه. فالعراق لا يواجه تداعيات الأزمات المحيطة به فقط، بل يعاني أيضاً من هشاشة بعض المؤسسات، وتعدد مراكز القرار في بعض الملفات الأمنية، والاعتماد الكبير على إيرادات النفط، وضعف تنويع الاقتصاد، والتحديات المرتبطة بإدارة المياه والطاقة، فضلاً عن صعوبة تثبيت سياسة إقليمية متماسكة عبر الحكومات المتعاقبة.
ويبرز ذلك بوضوح في ملف المياه، إذ تتداخل السياسات المائية لتركيا وإيران وسوريا مع تغير المناخ وضعف كفاءة إدارة الموارد داخل العراق. لذلك، لا تكفي الاحتجاجات الدبلوماسية، كما لا يصح اختزال الأزمة في سياسات دول المنبع وحدها. المطلوب دبلوماسية مائية فاعلة، واتفاقات قابلة للمتابعة، وتبادل للبيانات، وتحسين كفاءة الري، والحد من الهدر وإصلاح إدارة الموارد.
وفي الملف الأمني، لا يمكن تحقيق مكافحة الإرهاب وضبط الحدود بالإجراءات العسكرية وحدها، ما لم تقترن بفرض القانون وتوحيد القرار الأمني وتنمية المناطق الحدودية وتوفير الخدمات وفرص العمل. فالأمن المستدام يحتاج إلى تعاون إقليمي، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى دولة عراقية قوية بمؤسساتها وقدرتها على إدارة أراضيها.
من هنا، أعتقد أن السؤال الأهم ليس: كيف نحمي العراق من مشكلات الدول الست فحسب؟ بل: كيف نحول هذه المشكلات إلى مدخل لبناء مصالح مشتركة تجعل استقرار العراق ومحيطه ضرورة متبادلة؟
تبدأ الإجابة من تغيير طريقة النظر إلى الحدود. فهي ليست خطوطاً للفصل فقط، بل يمكن أن تكون نقاط اتصال بين الاقتصادات والمجتمعات. وحين تُدار باعتبارها مناطق أمنية مغلقة، قد تتحول إلى ممرات للتهريب والتسلل والتوتر، أما حين تُدار عبر معابر منظمة ومؤسسات فاعلة ومناطق تجارية ومشروعات نقل مشتركة، فإنها تصبح مصدراً للاستثمار والعمل والإيرادات، وتمنح الدولة أدوات إضافية لحماية أمنها.
ويتطلب ذلك بناء منظومة تعاون مع الدول الست لتبادل المعلومات بشأن الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة، وتنسيق مراقبة الحدود، وإنشاء قنوات اتصال دائمة لمعالجة الحوادث قبل تحولها إلى أزمات. وينبغي أن يقوم هذا التعاون على احترام السيادة العراقية، وألا يتحول التنسيق الأمني إلى مبرر لعمليات أحادية تنتقص من سلطة الدولة على أراضيها.
اقتصادياً، يمتلك العراق فرصة للتحول إلى حلقة وصل بين الخليج وتركيا وبلاد الشام. ويمكن لميناء الفاو الكبير وطريق التنمية وشبكات الطرق والسكك الحديدية والمعابر الحدودية أن تبني مصالح مشتركة مع دول الجوار. غير أن هذه المشروعات لا تنجح بمجرد الإعلان عنها، بل تحتاج إلى تمويل مستدام، وإدارة شفافة، ودراسات جدوى واقعية، واتفاقات واضحة بشأن العبور والجمارك، وتنسيق مع الدول المعنية. والهدف ليس الدخول في سباق يستنزف الموارد، بل بناء شبكة نقل وتجارة تحقق منافع متبادلة.
ولا يعني هذا أن العراق قادر وحده على حل مشكلات جيرانه، أو أن التعاون الاقتصادي ينهي الخلافات تلقائياً. لكنه يستطيع أن يرفع كلفة التصعيد، ويوسع فرص التفاوض، ويخلق حوافز للاستقرار، متى اقترن بمؤسسات قوية واتفاقات قابلة للتنفيذ.
أرى إن التحدي الحقيقي أمام العراق هو أن يتعامل مع جغرافيته بوصفها فرصة استراتيجية، لا قدراً يفرض عليه البقاء في موقع الدفاع الدائم. فهو يقع بين الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام، ويستطيع، إذا امتلك مؤسسات مستقرة واقتصاداً متنوعاً وسياسة خارجية متوازنة، أن يكون جسراً للتجارة والطاقة والحوار، بدلاً من أن يكون ممراً للأزمات والصراعات.
وفي تقديري، لا يبدأ هذا التحول بإعلان مشروع إقليمي كبير، بل بخطوات عملية: اتفاقات مائية قابلة للقياس، وتنسيق أمني يحترم السيادة، ومعابر فعالة، وشبكات نقل متكاملة، واستثمارات تحقق منافع متبادلة، وسياسة خارجية تجعل المصلحة الوطنية معيارها الأول.
فالعراق لا يستطيع تغيير موقعه الجغرافي، لكنه يستطيع تغيير طريقة توظيفه. والسؤال العملي: ليس كيف يعيش بين ست دول تواجه مشكلات، بل كيف يجعل استقرار هذه الدول مصلحة لها، ويجعل استقرار العراق مصلحة لها جميعاً.