بقلم: سعد الشديدي
خرج شباب تشرين يطالبون بوطن يحميهم، وعمل لا يُمنح بالولاء، ومؤسسات يخضع أصحاب النفوذ فيها للمساءلة. واجهوا الرصاص والخطف والتهديد، وفقدت عائلات أبناءها، وعاد جرحى بإصابات سترافقهم طوال حياتهم. ومع ذلك، بقيت مطالبهم الأساسية بعيدة عن التحقّق. فما الذي منع هذه التضحيات من أن تُحدث التغيير الذي أرادوه؟
واجهت تشرين منظومة ترسخت باستغلال الأحزاب نفوذها داخل مؤسسات الدولة عبر التعيينات والعقود والمال العام. صحيح أنّ الاحتجاجات هزّت ادّعاء هذه القوى تمثيل فئات الشعب العراقي، لكنها لم تسلبها وسائل بقائها. فقد ظلّت هذه القوى تملك المال والسلاح والتنظيم، وتتحكم بمفاصل في الدولة تتيح لها تعطيل خصومها وحماية مصالحها. ولم يكن الغضب الشعبي وحده كافيًا لانتزاع السلطة من أيديها.
كان غياب القيادة مصدر قوة تشرين وأحد أسباب تعثّرها. فقد بدأت عفوية، وزادَ تعدّد ساحاتها وأصواتها من صعوبة احتواءها أو السيطرة على قرارها. لكنها حين احتاجت إلى من يتحدّث باسم المحتجين ويتفاوض على مطالبهم، لم تجد قيادة تحظى باتفاق المتظاهرين وثقتهم. وزاد شعار «كلّنا قادة» المشكلة إذ شجّع رفض اختيار ممثلين للساحات، من دون تقديم طريقة بديلة لاتخاذ القرار. كانت في هذا الشعار سذاجة سياسية تخلط بين حقّ الجميع في المشاركة وقدرتهم على القيادة. وبقي المحتجون متفرقين أمام قوى منظّمة تعرف ما تريد وتعرف كيف تحافظ عليه.
ثم جاء القمع ليستنزف الحركة ويضيّق فرص استمرارها. جعلت الاغتيالات والخطف والتهديد النشاط السياسي خطرًا على صاحبه وأسرته. ولم تتحول المطالبة بمحاسبة القتلة إلى عدالة تطمئن إليها عائلات الضحايا. فالأحكام في قضايا متفرقة لا تكفي ما لم تُكشف مسؤولية من أصدر الأوامر أو حمى المنفذين. وكل جريمة تمرّ بلا حساب تمنح القتلة جرأة إضافية وتدفع آخرين إلى الانسحاب خوفًا على حياتهم.
ولم تكفِ التغييرات الانتخابية ودخول وجوه جديدة إلى المؤسسات لتعديل موازين القوة. فالمرشح المستقل يخوض منافسة غير متكافئة مع أحزاب تملك المال والحماية والنفوذ. وحتى حين يصل إلى البرلمان، يحتاج إلى تنظيم وتحالفات وبرنامج كي يستطيع التأثير. لا يستطيع أفراد متفرقون تغيير مؤسسات تتقاسمها قوى متماسكة المصالح.
كذلك، لم تتبلور مطالب العمل والخدمات في برنامج اقتصادي مشترك. ولم يكن مطلوبًا من المعتصمين أن يضعوا وحدهم خطة لإنقاذ اقتصاد البلاد، لكنهم احتاجوا إلى تعاون مستمر مع النقابات والجامعات وأصحاب الاختصاص. وكان يمكن لخبرات التطوع والإسعاف والإطعام والعمل الفني أن تستمر في جمعيات ومبادرات تحفظ الصلات التي نشأت في الساحات، بدل أن يتبدّد كثير منها بانتهاء الاعتصامات.
لا يمكن تحميل المحتجين وحدهم مسؤولية هذه النتائج. فقد واجهوا سلطة تفوقهم في الموارد ووسائل القمع، وأُجبروا على دفع أثمان لم يدفعها خصومهم. لكن احترام تضحياتهم لا يقتضي السكوت عن أخطاء الحركة.
فشلت تشرين في تحقيق مطالبها الأساسية لأن القمع واجه حركة لم تستطع بناء قيادة وتنظيم قادرين على مواصلة الصراع السياسي. ويبقى السؤال أمام من يريد استكمال ما بدأته: كيف يحوّل مطالب الساحات إلى برنامج، ويجمع حوله الناس، ويبني قوة تستطيع فرض الإصلاح وحمايته؟ بهذا العمل، وبالإصرار على محاسبة القتلة، يكون الوفاء لمن خرجوا ولم يعودوا.
لماذا فشلت ثورة تشرين؟