جريدة/
لم تقتصر القمة الاقتصادية للتنمية والاستثمار في السليمانية على استعراض الفرص الاستثمارية ومناقشة سبل تنويع مصادر الدخل في إقليم كردستان والعراق، إذ حضرت العلاقة بين بغداد وأربيل بوصفها أحد أبرز الملفات التي ألقت بظلالها على أعمال القمة، وسط دعوات إلى تحويل المصالح الاقتصادية المشتركة إلى مساحة للتقارب بعيداً عن تعقيدات الخلاف السياسي.

وجاءت الرسالة الأبرز على لسان رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، الذي أكد أن اقتصاد الإقليم والاقتصاد العراقي “مكملان لبعضهما وليسا متنافسين”، داعياً إلى عدم السماح للخلافات السياسية بأن تتحول إلى عائق أمام التجارة والاستثمار وحركة الشركات بين الإقليم وبقية المحافظات.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة مع انعقاد القمة يومي 17 و18 أيلول، بمشاركة مسؤولين من الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، إلى جانب مستثمرين وممثلين عن قطاعات المصارف والصناعة والعقارات، فيما تركز المناقشات على ربط القطاع المصرفي بالاستثمار والصناعة وتوسيع مساحة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.

وتطرح السليمانية بذلك مقاربة مختلفة للعلاقة بين بغداد وأربيل، تقوم على بناء المصالح الاقتصادية المشتركة وعدم ربط كل أشكال التعاون بانتظار تسوية سياسية شاملة للملفات المتراكمة بين الجانبين.

النفط والرواتب.. الملفات القديمة داخل قاعة الاستثمار

ولم يبتعد بارزاني عن القضايا التي ظلت لسنوات في صلب الخلاف بين بغداد وأربيل، إذ دعا إلى تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بالنفط والرواتب وحصة الإقليم من الموازنة، رابطاً الاستقرار الاقتصادي بمعالجة هذه الملفات وفق الأطر الدستورية.

وأكد أن الغاية ليست هيمنة أربيل على بغداد أو بغداد على أربيل، وإنما الوصول إلى صيغة ينتصر فيها العراق والدولة والدستور، في رسالة تعكس محاولة لربط المصالح الاقتصادية باستقرار العلاقة السياسية والمؤسساتية بين الطرفين.

فالاستثمار لا يتحرك بمعزل عن السياسة، والشركات التي تفكر في ضخ رؤوس أموال تحتاج إلى بيئة مستقرة ووضوح في التشريعات والضرائب والجمارك وحركة الأموال، فضلاً عن استقرار العلاقة بين مؤسسات الحكومة الاتحادية ومؤسسات الإقليم.

ولهذا يبقى الاقتصاد قادراً على تخفيف بعض آثار الخلاف، لكنه يظل في الوقت نفسه متأثراً به، خصوصاً أن ملفات النفط والغاز والرواتب والموازنة تتجاوز الحسابات المالية إلى قضايا دستورية تتعلق بتوزيع الموارد والصلاحيات.

الشركات تعبر الحدود الداخلية

ومن بين أبرز الأفكار التي طرحت خلال القمة الدعوة إلى معالجة ملفي الجمارك والضرائب وتوسيع الشراكات الاقتصادية، بما يتيح للشركات الموجودة في إقليم كردستان العمل في وسط وجنوب العراق بحرية أكبر، مقابل انفتاح أسواق الإقليم أمام الشركات العراقية.

ويمنح هذا الطرح العلاقة بين بغداد وأربيل بعداً يتجاوز المفاوضات الحكومية التقليدية، إذ تصبح الشركات ورؤوس الأموال والأسواق جزءاً من شبكة المصالح التي تربط الطرفين.

وكلما توسعت حركة التجارة والاستثمار بين الإقليم والمحافظات الأخرى، ارتفعت المصالح المرتبطة باستقرار العلاقة، وأصبحت كلفة أي توتر سياسي لا تقتصر على الحكومات والقوى السياسية وإنما تمتد إلى المستثمرين والشركات والأسواق.

وقد يمثل القطاع الخاص إحدى المساحات القادرة على بناء هذا النوع من الترابط، بدلاً من بقاء العلاقة الاقتصادية محصورة في المفاوضات المتكررة بشأن النفط والرواتب وحصة الإقليم من الموازنة.

وتعكس أجندة القمة هذا الاتجاه من خلال تركيزها على الصناعة والعقارات والمصارف والاستثمار ورؤوس الأموال، إلى جانب تعزيز الشراكة بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.

هل يسبق الاقتصادُ السياسة؟

لكن الطرح الذي قدمه بارزاني لا يتعامل مع الاقتصاد باعتباره بديلاً عن التسويات السياسية والدستورية، إذ شدد على أن المشكلة ليست في طبيعة الدستور العراقي وإنما في عدم تطبيقه بصورة كاملة، معتبراً النظام الاتحادي إطاراً لاستقرار البلاد.

وتبرز هنا واحدة من أهم معضلات العلاقة الاقتصادية بين بغداد وأربيل، فالتكامل يحتاج إلى قواعد مستقرة تحدد الصلاحيات والموارد وآليات التعامل المالي، بينما يؤدي استمرار الخلاف حول هذه الملفات إلى إبقاء جزء من النشاط الاقتصادي عرضة للتقلبات السياسية.

وفي الاتجاه المقابل، يمكن أن يصبح تشابك المصالح الاقتصادية عاملاً ضاغطاً باتجاه التسوية، إذ إن تعطل الاتفاقات المتعلقة بالنفط أو الموازنة لن تكون آثاره محصورة في المفاوضات السياسية، وإنما ستنتقل إلى الشركات والأسواق والاستثمارات وحركة الأموال.

قمة في السليمانية.. ورسالة إلى العراق كله

ومنحت مشاركة رئيس الجمهورية نزار آميدي إلى جانب بارزاني ومسؤولين وخبراء ومستثمرين القمة بعداً يتجاوز حدود الإقليم، فيما شدد الرئيس العراقي على أهمية التعاون بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لمعالجة الملفات المشتركة.

ويعزز ذلك فكرة استخدام الاقتصاد باعتباره أحد مسارات العمل بين بغداد وأربيل، خصوصاً في الملفات التي يمكن تحقيق تقدم فيها من دون انتظار إنهاء جميع الخلافات دفعة واحدة.

لكن الانتقال من الخطابات إلى النتائج يتطلب إجراءات عملية، تبدأ بتوحيد أو تنظيم التعاملات الجمركية والضريبية وتسهيل حركة الشركات، ولا تنتهي بمعالجة الملفات المالية وتنظيم القطاع المصرفي وتوفير بيئة مستقرة لرأس المال.

ما بعد النفط.. مصلحة مشتركة لبغداد وأربيل

وتأتي هذه المناقشات بالتزامن مع مساعي إقليم كردستان إلى توسيع دور القطاع الخاص وتنويع مصادر الإيرادات وتقليل الاعتماد على النفط، فيما دعا بارزاني إلى زيادة الاستثمار في قطاعات الصناعة والسياحة والإنتاج المحلي.

ولا تقتصر فوائد مثل هذا التحول على الإقليم، إذ إن تنويع القاعدة الإنتاجية وتقليل اعتماد الاقتصاد على الإيرادات النفطية يمثلان تحدياً يواجه العراق بصورة عامة، ما يوفر أرضية إضافية لمصالح مشتركة بين بغداد وأربيل.

ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى قمة السليمانية باعتبارها حلاً سريعاً لخلافات تراكمت على مدى سنوات، فملفات النفط والغاز والموازنة والصلاحيات أكثر تعقيداً من أن تحسمها قمة اقتصادية واحدة.

لكن أهمية القمة تكمن في المسار الذي تحاول طرحه، والقائم على عدم انتظار الاتفاق السياسي الشامل قبل تحريك المصالح الاقتصادية، وإنما توسيع شبكة التجارة والاستثمار بطريقة يمكن أن تجعل الاستقرار السياسي نفسه مصلحة مشتركة.

جسر لا يلغي الخلاف

وبهذا المعنى، لا يُنتظر من الاقتصاد أن يلغي الخلافات بين بغداد وأربيل، لكنه قد يغير كلفة استمرارها، فكل شركة تعمل بين الإقليم والمحافظات، وكل استثمار مشترك، وكل حركة تجارية ومصرفية جديدة، تضيف مصلحة مرتبطة باستقرار العلاقة بين الطرفين.

ويبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة بغداد وأربيل على تحويل رسائل السليمانية إلى إجراءات ملموسة، بدءاً من الجمارك والضرائب وحركة الشركات، مروراً بالملفات المالية، وصولاً إلى توفير قواعد مستقرة تحمي المستثمرين من انعكاسات الأزمات السياسية.

وعندها يمكن للاقتصاد أن يتحول فعلاً إلى جسر بين بغداد وأربيل، ليس لأنه أنهى الخلاف السياسي، وإنما لأنه خلق مصالح متشابكة تجعل استمرار الخلاف أكثر كلفة، والتفاهم بشأنه أكثر ضرورة.