جريدة |..

أعاد العراق فتح مناطق واسعة من أجوائه أمام حركة الطيران المدني، بعد نحو عقد من تخصيصها للعمليات العسكرية والحربية ضد تنظيم “داعش”، في خطوة تفتح الباب أمام استحداث مسارات جوية جديدة وزيادة عدد الطائرات العابرة بين أوروبا وآسيا ودول الخليج، وما يرافق ذلك من إيرادات إضافية لخزينة الدولة.

وأعلنت الشركة العامة لإدارة المطارات والملاحة الجوية أن المناطق المخصصة للعمليات العسكرية ضمن المجال الجوي العراقي لم تعد مستخدمة لهذا الغرض، وأصبحت مهيأة أمام حركة الطيران المدني، بعد تسليم المناطق الجوية المحجوزة في الجزء الغربي من البلاد إلى الشركة لاستخدامها في الملاحة المدنية.

وكانت مساحات واسعة من الأجواء الممتدة من أقصى نينوى باتجاه جنوب صحراء الأنبار مخصصة للعمليات العسكرية وطلعات طيران التحالف الدولي إلى جانب القوة الجوية العراقية خلال الحرب على تنظيم “داعش”، ما قيّد استخدام أجزاء مهمة من المجال الجوي أمام الرحلات المدنية.

وبحسب الشركة، فإن فتح هذه المناطق يمهد لتحديث الدليل الجوي العراقي وإعلان التغييرات أمام شركات الطيران العالمية، بما يسمح باستحداث مسارات جديدة ويمنح حركة الطيران مرونة أكبر، فضلاً عن زيادة الإيرادات المتأتية من الرحلات العابرة.

وأكد مكتب القائد العام للقوات المسلحة أن إنهاء ملف المناطق المحظورة يمثل خطوة باتجاه استعادة العراق لمكانته الإقليمية والدولية في حركة الملاحة الجوية، فضلاً عن تعزيز كفاءة إدارة المجال الجوي وزيادة الإيرادات الوطنية من رسوم عبور الطائرات.

كما أكدت وزارة النقل أن فريق إدارة المجال الجوي في مركز العمليات الجوية أثبت من الناحية الفنية عدم استخدام المناطق العسكرية المدرجة في الدليل الجوي العراقي في العمليات العسكرية، ما يمهد لاستكمال الإجراءات التنظيمية والفنية الخاصة بحذفها من الدليل.

 

من 49% إلى السماء كاملة.. ماذا تغير فعلياً؟

ويقدم الاستشاري في مجال الطيران فارس الجواري قراءة أوسع للقرار، موضحاً أن أهميته لا تقتصر على فتح عدد من المسارات أمام الطائرات، وإنما ترتبط باستعادة الإدارة المدنية لمساحات من المجال الجوي ظلت لسنوات مرتبطة بالعمليات العسكرية.

وقال الجواري في تصريح لـ”جريدة”، إن “المعنى المبسط للقرار هو أن الأجواء العراقية عادت بالكامل إلى الإدارة المدنية العراقية، إذ كانت مساحات كبيرة منها محجوزة للعمليات العسكرية وطيران التحالف الدولي، بينما أصبحت اليوم تحت إدارة الجهات العراقية المختصة بالملاحة الجوية”.

وأضاف أن “تخصيص تلك المناطق للجانب العسكري كان مرتبطاً بالظروف الأمنية التي أعقبت عام 2014 والحرب ضد تنظيم داعش، إذ تطلبت العمليات وجود طيران حربي وطلعات على ارتفاعات مختلفة، ولذلك كانت أجزاء واسعة من الأجواء تدار وفق متطلبات العمليات العسكرية المشتركة”.

وأوضح أن انتهاء الحاجة العسكرية إلى هذه المناطق يعني عملياً إمكانية إعادة استخدامها في رسم شبكة الملاحة المدنية، وهو ما يمنح العراق مساحة أكبر لإعادة ترتيب طرق العبور الجوية واستقطاب المزيد من الرحلات الدولية.

 

3 أو 4 طرق جديدة.. الغرب العراقي يعود إلى خريطة الطيران

ويشير الجواري إلى أن المنطقة الغربية قد تكون المستفيد الأكبر من إعادة توزيع المجال الجوي، نظراً إلى موقعها على خطوط الربط بين أوروبا والخليج وآسيا.

وقال إن “استعادة هذه المساحات يمكن أن تفتح المجال أمام ثلاثة أو أربعة مسارات جوية جديدة، ولا سيما في المنطقة الغربية، بما يسمح بمرور أعداد أكبر من الطائرات القادمة من أوروبا والمتجهة نحو الخليج وآسيا”.

ويرى أن شركات الطيران تنظر إلى المسار الجوي من زاوية الوقت والمسافة واستهلاك الوقود، ولذلك فإن توفير طرق أقصر وأكثر مرونة عبر العراق يمكن أن يدفع بعض الشركات إلى إعادة حساب مساراتها والعودة إلى استخدام الأجواء العراقية.

وأضاف الجواري أن “المسارات الطويلة تعني استهلاكاً أكبر للوقود وكلفة تشغيلية أعلى، بينما يمكن للمسارات الجديدة في غرب العراق أن تختصر الطريق أمام بعض الرحلات، خصوصاً القادمة من أوروبا باتجاه دول الخليج، وتوفر لها مرونة أكبر في إدارة الرحلات”.

 

كل طائرة تعني إيراداً.. السماء تتحول إلى مورد اقتصادي

ولا تتوقف أهمية القرار عند الجانب السيادي أو الفني، إذ يمكن لتحويل أجزاء إضافية من الأجواء إلى مسارات مدنية أن ينعكس بصورة مباشرة على إيرادات قطاع الملاحة الجوية.

وبحسب الجواري، فإن العراق يتقاضى رسوماً عن الطائرات العابرة لمجاله الجوي، وبالتالي فإن زيادة عدد الرحلات التي تستخدم المسارات العراقية تعني ارتفاع العائدات المالية.

وقال إن “العراق يحصل على نحو 450 دولاراً عن كل طائرة تمر عبر أجوائه، وبالتالي فإن فتح مسارات إضافية وزيادة عدد الطائرات العابرة سينعكسان على الإيرادات التي تدخل إلى خزينة الدولة”.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية أكبر مع الموقع الجغرافي للعراق الذي يشكل ممراً بين عدد من خطوط الطيران القادمة من أوروبا والمتجهة نحو الخليج وآسيا، ما يجعل القدرة على توفير مسارات آمنة وقصيرة عاملاً مهماً في المنافسة على حركة العبور الإقليمية.

 

الهاشمي: فرصة لتقليص زمن الرحلات وكلفة التشغيل

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن القرار يمكن أن يمثل تحولاً مهماً لقطاع الطيران، خصوصاً إذا نجح العراق في توظيف المساحات المستعادة لاستقطاب المزيد من الرحلات الدولية العابرة.

وقال الهاشمي لـ”جريدة”، إن “توسيع المجال المتاح أمام الطيران المدني يمنح شركات الطيران مرونة أكبر في اختيار مساراتها، ويمكن أن يختصر زمن بعض الرحلات ويقلل استهلاك الوقود وكلف التشغيل، خصوصاً بالنسبة إلى الرحلات التي تربط أوروبا بآسيا والمنطقة”.

وأضاف أن “الجدوى الاقتصادية بالنسبة إلى العراق ترتبط بعدد الطائرات التي يمكن جذبها إلى المسارات الجديدة، فكل زيادة في حركة العبور تعني نمواً في الإيرادات المتأتية من استخدام المجال الجوي والخدمات المرتبطة بالملاحة”.

وأشار إلى أن انخفاض الكلفة التشغيلية للمسار العراقي مقارنة ببعض الطرق البديلة يمكن أن يشجع شركات إضافية على استخدام الأجواء العراقية، شريطة توفير البيئة الفنية والأمنية التي تمنح الناقلات الدولية الثقة باستدامة هذه المسارات.

 

العقدة الأوروبية.. فتح السماء لا يكفي

لكن إعادة المناطق العسكرية إلى الاستخدام المدني لا تعني تلقائياً عودة جميع شركات الطيران العالمية إلى الأجواء العراقية، إذ ما تزال هناك قيود وتحذيرات دولية تتعلق باستخدام بعض الناقلات للمجال الجوي العراقي.

وأوضح الهاشمي أن “المرحلة التالية تتطلب عملاً عراقياً مع الجهات الأوروبية المختصة بسلامة الطيران لإعادة تقييم القيود القائمة، وتقديم الضمانات الفنية والأمنية اللازمة بشأن سلامة المسارات القديمة والجديدة”.

ويرى أن الاستفادة الاقتصادية الكاملة من القرار ستعتمد على قدرة العراق على الجمع بين فتح المجال الجوي وإقناع الشركات والجهات التنظيمية الدولية بأن المسارات الجديدة قادرة على العمل بصورة مستقرة وآمنة.

 

الدليل الجوي.. الخطوة التي تنتظرها شركات العالم

ويضع الجواري تحديث الدليل الجوي العراقي AIP في مقدمة الخطوات الفنية التي ينبغي استكمالها بعد القرار، لأن شركات الطيران العالمية تعتمد المعلومات المنشورة فيه عند التخطيط لمساراتها وتشغيل رحلاتها.

وقال إن “المهم الآن تثبيت رفع القيود عن المناطق التي كانت مخصصة للعمليات العسكرية ضمن الدليل الجوي العراقي، لأن شركات الطيران تعتمد على البيانات الرسمية الواردة فيه قبل اتخاذ قرار استخدام أي مسار جديد”.

وبمجرد استكمال الإجراءات الفنية والإعلان الدولي عن المسارات المتاحة، يمكن للشركات دراسة الطرق الجديدة ومقارنتها من حيث المسافة والوقت واستهلاك الوقود مع المسارات التي تستخدمها حالياً.

 

بعد عقد من الحرب.. السماء تعود إلى المدنيين

ويحمل القرار بعداً يتجاوز حسابات الطيران والإيرادات، إذ يأتي بالتزامن مع اقتراب موعد 30 أيلول وانتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، بعد سنوات ارتبط خلالها جزء من المجال الجوي بالعمليات العسكرية ضد تنظيم “داعش”.

وبعد أن كانت مساحات واسعة من سماء غرب البلاد مرتبطة بغرف العمليات والطائرات الحربية، تنتقل هذه المناطق مجدداً إلى الاستخدام المدني، لتدخل بغداد مرحلة مختلفة تقوم على تحويل الموقع الجغرافي للعراق إلى ممر للملاحة الدولية.

وبين فتح مسارات جديدة، وتقليص المسافات أمام الطائرات العابرة، وزيادة رسوم العبور، يبقى حجم المكاسب مرهوناً بعدد شركات الطيران التي ستختار المجال الجوي العراقي فعلياً، ومدى قدرة بغداد على استكمال تحديث الدليل الجوي ومعالجة القيود الدولية، وتحويل استعادة السماء من خطوة سيادية إلى مورد اقتصادي مستدام.