جريدة / ..

تسعى الحكومة العراقية إلى تقديم نفسها بوصفها ماضية في مسار حصر السلاح بيد الدولة، وحلّ الفصائل والمجموعات المسلحة خارج الإطار الرسمي، في ظل تفاهمات وضغوط سياسية مرتبطة بمستقبل الوجود العسكري الأميركي في العراق. غير أن هذا المسار، بحسب قراءات سياسية، لا يزال أقرب إلى الالتزام الإعلامي والدبلوماسي منه إلى التحول الفعلي على الأرض.

ويطرح هذا الواقع سؤالاً أساسياً حول قدرة الحكومة على الانتقال من إعلان التوجه إلى تنفيذه، ولا سيما في ظل ارتباط القوى السياسية التي تشكل المشهد الحكومي والبرلماني بجزء من الفصائل المسلحة، الأمر الذي يجعل اتخاذ قرار أمني أو عسكري حاسم في هذا الملف شديد التعقيد.

أستاذ العلوم السياسية الدكتور هيثم الهيتي يرى أن الحكومة تحاول تقديم صورة للرأي العام وللجانب الأميركي بأنها تسير في مسار حل الفصائل المسلحة، باعتبار أن أي انسحاب للقوات الأميركية يقابله، وفق التفاهمات المطروحة، انسحاب أو إنهاء لدور المجموعات العسكرية المرتبطة بإيران.

ويشير الهيتي إلى أن الحكومة تريد من خلال هذا الخطاب تثبيت صورة ذهنية بأنها ملتزمة بهذا المسار، على الأقل على المستويين الإعلامي والدبلوماسي، إلا أن تحويل هذا الالتزام إلى إجراءات عملية، وصولاً إلى مواجهة عسكرية أو تكتيكية مع الفصائل، يبدو بعيداً في الوقت الراهن.

ويعزو ذلك إلى طبيعة العلاقة بين الحكومة والقوى السياسية التي تشكلها، موضحاً أن الحكومة ليست مؤسسة سياسية مستقلة بالكامل عن القوى الفاعلة في البرلمان والأحزاب والإطار السياسي، وهي قوى ترتبط بدرجات مختلفة بالمجموعات المسلحة.

ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو، وفق الهيتي، احتمالاً إيجابياً أكثر منه مساراً مؤكداً، إذ إن التحدي الأساسي يتمثل في قدرة مؤسسات الدولة على الانفصال عن شبكة التوازنات السياسية التي تحكم القرار العراقي.

وبينما تستمر الحكومة في تقديم خطاب يؤكد حصر السلاح بيد الدولة، تبدو المعادلة الفعلية أكثر تعقيداً؛ فنجاح هذا المسار لن يتوقف على البيانات والتصريحات، وإنما على قدرة مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الحكومة والقضاء، على تحويل الموقف السياسي إلى قرارات قابلة للتنفيذ.

وفي المحصلة، فإن اختبار جدية الحكومة لن يكون في مستوى الخطاب الذي تقدمه للرأي العام أو شركائها الدوليين، بل في قدرتها على إنتاج قرار مستقل يفرض سلطة الدولة بالقانون. وإذا ما تعزز هذا الدور بتعاون قضائي مستقل، فقد يتحول ملف حصر السلاح من عنوان سياسي ودبلوماسي إلى مشروع تغيير استراتيجي في بنية الدولة العراقية.