أقلامهم/..

من الصعب اليوم الحديث عن قرار حلّ الجيش العراقي عام 2003 دون الاصطدام بطبقات كثيفة من السرديات المتناقضة، بعضها يحمّل بول بريمر مسؤولية انهيار مؤسسة تجاوز عمرها 100 عام. وبعضها الآخر يرى أن الرجل لم يفعل سوى أنه وصل متأخراً إلى جنازة جيش كان قد انتهى فعلياً قبل أن يوقّع أمر الحلّ. لكن ما يغيب عن هذا الجدل هو أن الجيش العراقي منذ لحظة دخوله الحياة السياسية عام 1936 لم يكن مؤسسة مستقرة بالمعنى الحديث. بل كان لاعباً سياسياً يغيّر الحكومات أكثر مما يغيّر الخطط العسكرية. وأن تاريخه الطويل من الانقلابات والحروب والتسييّس جعل قرار الحلّ أقرب إلى إعلان وفاة رسمية لا إلى عملية قتل متعمدة.
ففي عام 1936 عندما قاد بكر صدقي أول انقلاب عسكري ناجح في العالم العربي، لم يكن الأمر مجرد حدث استثنائي، بل كان بداية تقليد سياسي جديد: أن الجيش قادر على إسقاط حكومة وتعيين أخرى. بعد ذلك بخمس سنوات فقط جاءت حركة العقداء الأربعة عام 1941 لتؤكد أن المؤسسة العسكرية لم تعد تلتزم بحدودها المهنية، وأن الضباط باتوا يتصرفون كفاعلين سياسيين في لحظة دولية حرجة خلال الحرب العالمية الثانية. ثم جاء انقلاب14 تموز 1958 ليطيح بالنظام الملكي ويؤسس جمهورية جديدة لكنه لم يؤسس جيشاً جمهورياً مستقراً. بل فتح الباب أمام صراعات داخلية بين ضباط قوميين وبعثيين وشيوعيين. حتى أن عبد الكريم قاسم نفسه الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، أُطيح بانقلاب آخر عام 1963 على يد رفاقه الذين شاركوه انقلاب 1958. وبعد خمس سنوات فقط وقع انقلاب 17 تموز 1968 الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة ليبدأ فصل جديد من تسييس المؤسسة العسكرية.
هذه السلسلة المتواصلة من الانقلابات ليست مجرد أحداث تاريخية، انمادليل على أن الجيش العراقي لم يكن مؤسسة مهنية مستقلة، بل جهازاً سياسياً يتغير بتغير المزاج الأيديولوجي للضباط. في دول أخرى، قد يحدث انقلاب واحد في القرن، لكن في العراق كان الانقلاب جزءاً من آلية تداول السلطة. هذا وحده كافٍ ليطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لجيش يغيّر الحكومات بهذه السهولة أن يكون مؤسسة مستقرة؟
ومع صعود صدام حسين إلى السلطة. دخل الجيش العراقي مرحلة جديدة . مرحلة لم يكن فيها الانضباط العسكري ولا المهنية معياراً للترقّي، بل الولاء الشخصي وحده. في تلك اللحظة، لم تعد الرتب العسكرية تعبيراً عن خبرة أو تدريب أو مسار مهني، بل أصبحت جزءاً من هندسة سياسية هدفها إحكام السيطرة على المؤسسة التي كان يُفترض أن تكون الأكثر استقلالاً في الدولة. البداية كانت مع منح صدام نفسه رتبة «ملازم شرف» في عهد الرئيس أحمد حسن البكر، وهي رتبة فخرية تُمنح بقرار سياسي لا علاقة له بالمسار العسكري التقليدي. هذه الخطوة لم تكن مجرد مجاملة بروتوكولية، بل كانت إعلاناً مبكراً عن أن الرجل الذي لم يدخل كلية عسكرية ولم يؤدِّ خدمة العلم سيصبح لاحقاً القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأن المؤسسة العسكرية ستخضع لعملية إعادة تشكيل جذرية. ولعلّ ما فعله صدام في الجيش العراقي لم يكن بعيداً عمّا فعله جوزيف ستالين في الجيش الأحمر حين أصبح قائده الأعلى، إذ شرع في عمليات تطهير واسعة أباد خلالها آلاف الضباط الذين شكّ في ولائهم، فحوّل المؤسسة العسكرية إلى جهاز خاضع بالكامل لإرادته السياسية، لا لهيكليتها المهنية. لقد أعاد صدام إنتاج الفكرة ذاتها بطريقة عراقية: تصفية قيادات الجيش ذوي النفوذ في المؤسسة العسكرية والحزب مع إقصاء الضباط المحترفين وتهميش القيادات المهنيةومنح الرتب العليا لمن يضمن ولاءهم المطلق حتى لو كانوا بلا تعليم أو خبرة أو تدريب. ومع مرور السنوات، تدرّج صدام في سلّم الرتب بسرعة غير مسبوقة. فانتقل من رتبة شرفية إلى رتبة فريق ثم فريق أول ثم فريق أول ركن طيار –مع العلم أنّ صدام لم يكن حائزاً على أي مؤهل في مجال الطيران سواءالعسكري أو المدني – قبل أن يُمنح رتبة «مهيب ركن» التي تُعدّ من أعلى الرتب العسكرية في العالم، رغم أنه لم يتلقَّ أي تدريب عسكري نظامي ولم يخضع لأي دورة تأهيلية. هذا التدرّج لم يكن مجرد تضخيم لصورته كقائدأوحد بل كان رسالة واضحة للضباط بأن الولاء أهم من الكفاءة وأن الرتبة تُمنح لمن يخدم السلطة لا لمن يخدم المؤسسة العسكرية.
ولم يكن صدام وحده المستفيد من هذا النهج بل شمل الأمر أقاربه والمقرّبين منه. أحد أبرز الأمثلة هو عبد حمود، السكرتير الخاص لصدام، الذي لم يُكمل المرحلة الابتدائية، لكنه حصل لاحقاً على رتبة فريق أول ومواقع نافذة في السلطة، متقدماً على ضباط محترفين أمضوا سنوات طويلة في التدريب والدراسة العسكرية. المثال الآخر كان حسين كامل، صهر صدام، الذي قفز من رتبة بسيطة إلى قيادة التصنيع العسكري ثم إلى مواقع حساسة في الجيش، قبل أن ينتهي مقتولاً بعد انشقاقه.
هذا التلاعب بالرتب العسكرية لم يكن مجرد خلل إداري، بل كان انهياراً كاملاً في الهرمية العسكرية.
الضباط الذين تخرّجوا من الكليات العسكرية وجدوا أنفسهم تحت إمرة أشخاص لا يمتلكون أي تأهيل عسكري، ما أدى إلى تآكل الانضباط وفقدان الثقة داخل المؤسسة. في الجيوش المحترفة، تُعدّ الرتبة رمزاً للخبرة والمسؤولية لكن في العراق تحوّلت إلى أداة سياسية تُستخدم لضمان الولاء وإقصاء الكفاءات. هذا الانهيار البنيوي كان أحد الأسباب التي جعلت الجيش عاجزاً عن الصمود في الحروب وعاجزاً عن إعادة تنظيم نفسه بعد 2003، وعاجزاً حتى عن الحفاظ على تماسكه الداخلي.
إن سرد هذه الأمثلة ليس محاولة لإعادة كتابة التاريخ، بل لتوضيح أن المؤسسة العسكرية العراقية لم تكن ضحية قرار حلّها عام 2003، بقدر ما كانت ضحية عقود من التسييس والتلاعب والولاءات الشخصية. فعندما يُمنح شخص بلا تعليم رتبة فريق أول، ويُمنح آخر بلا تدريب رتبة مهيب ركن، ويُقصى الضباط المحترفون لصالح الأقارب والمقرّبين، يصبح السؤال ليس لماذا انهار الجيش بل كيف بقيّ قائماً كل تلك السنوات رغم كل ما تعرّض له من تفكيك داخلي؟
ثم جاءت الحروب لتكمل ما بدأه التسييس. الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات أنهكت الجيش بشرياً ومادياً، و دمّر احتلال الكويت وحرب الخليج عام 1991 قدراته اللوجستية، ثمّ أجهز الحصار في التسعينيات على ما تبقى من تدريبه وتجهيزه وصيانته. تحوّل الجيش إلى مؤسسة كبيرة في العدد لكنها ضعيفة في الفعل بلا تجهيزات حديثة، بلا صيانة، بلا رواتب كافية، وبلا معنويات. في تلك السنوات، كان الضباط يبيعون الوقود والذخيرة في السوق السوداء، وكانت الوحدات العسكرية تعتمد على مواردها الذاتية للبقاء، في مشهد يعكس انهيار الدولة نفسها.
وعندما بدأت حرب 2003، لم يقاتل الجيش كجيش. إذ تفككت الوحدات بسرعة، وغابت القيادة، وانسحب الجنود من مواقعهم دون أوامر واضحة. في الأيام التي تلت سقوط بغداد، لم يكن هناك ضابط واحد قادر على جمع وحدته، ولم تكن هناك مؤسسة يمكن إعادة تشغيلها. كانت المعسكرات فارغة، والقيادات هاربة، والجنود بلا رواتب ولا مستقبل. في هذا السياق، جاء قرار بريمر ليضفي الصفة القانونية على واقع قائم بالفعل، لا ليخلق واقعاً جديداً.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن القرار كان كارثياً من ناحية الأمن الداخلي. فقد تركَ حلّ الجيش رسمياً فراغاً أمنياً هائلاً، وأعاد آلاف العسكريين إلى الشارع بلا دخل، وأسهم في ظهور جماعات مسلحة استندت إلى خبرات ضباط سابقين، وفتح الباب أمام التمرد المسلح الذي سيطر على المشهد الأمني لسنوات طويلة. لكن السؤال الذي يجب طرحه بجرأة هو: هل كان بالإمكان الحفاظ على الجيش كما كان؟ هل كان جيشاً قابلاً للإصلاح؟ أم أن المؤسسة كانت قد انتهت فعلياً قبل أن تُحلّ رسمياً؟
إن قراءة تاريخ الجيش العراقي تكشف أن المؤسسة لم تنجح في ترسيخ تقاليد مهنية مستقرة منذ تأسيسها، وأن دورها السياسي المتكرر، ثم تسييسها في عهد النظام السابق وإنهاكها في الحروب والحصار، كانت كلها عوامل جعلت قرار حلّها عام 2003 أقرب إلى نهاية مسار طويل من التآكل لا بداية انهيار جديد. في هذا المعنى يبدو أن بريمر لم يطلق النار على مؤسسة حيّة. بل كتب شهادة وفاة مؤسسة كانت تحتضر منذ عقود. وأن الجدل حول القرار لا يمكن فصله عن تاريخ الجيش نفسه ولا عن طبيعة الدولة العراقية التي ظلّت تعاني من هشاشة مؤسسية منذ نشأتها. هكذا يصبح السؤال أقل ارتباطاً ببول بريمر وأكثر ارتباطاً بتاريخ مؤسسة لم تتمكن من الحفاظ على استقلالها أو مهنيتها وانتهت فعلياً قبل أن تُحلّ رسمياً.