جريدة /..

تقترب الحكومة العراقية من واحدة من أكثر مراحلها حساسية، مع تمسك رئيس الوزراء علي فالح الزيدي بالموعد المحدد لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق، في وقت لا تبدو فيه مرحلة ما بعد الانسحاب مجرد استحقاق عسكري، بل اختباراً واسعاً لقدرة الدولة على إدارة أمنها بعيداً عن المظلة الأجنبية، وفرض قرارها على جميع القوى المسلحة.

الزيدي، الذي جدد خلال استقباله قائد القيادة المركزية الأميركية تشارلز براد كوبر تمسكه بالموعد، أكد أن 30 سبتمبر/أيلول المقبل سيكون موعداً ثابتاً ونهائياً لاستكمال مغادرة قوات التحالف، على أن يمثل الأول من أكتوبر/تشرين الأول بداية «يوم جديد» في مسار الدولة العراقية.

وتريد بغداد من هذا الموعد أن يكون إعلاناً عن اكتمال مرحلة طويلة من الاعتماد الأمني على القوات الأجنبية، ورسالة إلى الداخل والخارج بأن المؤسسات العسكرية والأمنية باتت قادرة على تولي مسؤولية حماية البلاد.

لكن خلف هذا الإعلان السياسي تقف مجموعة من الأسئلة الصعبة.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانسحاب

المعضلة بالنسبة إلى حكومة الزيدي لا تكمن فقط في قدرة الجيش العراقي على التعامل مع التهديدات الأمنية التقليدية، وإنما في طبيعة المشهد الداخلي نفسه.

فالعراق يمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية كبيرة، إلا أن وجود فصائل مسلحة تمتلك قدرات مستقلة، إلى جانب ارتباط بعضها بالمحور الإيراني، يجعل قضية احتكار الدولة للسلاح واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في مرحلة ما بعد التحالف.

وهنا يصبح الانسحاب اختباراً مزدوجاً للزيدي: إثبات قدرة القوات العراقية على حماية البلاد من جهة، وإثبات قدرة الحكومة على ضبط مراكز القوة المسلحة داخل العراق من جهة أخرى.

ويبدو أن رئيس الوزراء يدرك حساسية المعادلة، بعدما وضع حصر السلاح بيد الدولة في صلب رؤيته للمرحلة المقبلة، مؤكداً أن تطبيق هذا المبدأ وفق القانون يمثل أساساً لتعزيز سيادة الدولة واستقرارها.

الفصائل.. الملف الأكثر حساسية

قد تنجح بغداد في إدارة الجانب العسكري من الانسحاب، لكن التحدي الأصعب قد يكون سياسياً أكثر منه عسكرياً.

فأي فراغ أمني محتمل بعد مغادرة قوات التحالف يمكن أن يفتح الباب أمام قوى مسلحة لمحاولة توسيع نفوذها أو تثبيت أدوارها داخل المشهد الأمني، خصوصاً إذا لم تترافق مرحلة الانسحاب مع خطوات واضحة لتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية.

ومن هنا، فإن نجاح سياسة الزيدي لن يقاس فقط بقدرة القوات العراقية على مواجهة تنظيم داعش أو حماية الحدود، وإنما بقدرتها أيضاً على أن تكون المرجعية الأمنية الوحيدة التي تمتلك قرار استخدام القوة.

وفي حال بقيت مراكز قوة مسلحة خارج السيطرة الكاملة للدولة، فإن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف قد يؤدي إلى ولادة معادلة أمنية جديدة، يكون فيها الجيش والقوات الرسمية إلى جانب قوى مسلحة تمتلك قدرات وقرارات مستقلة.

واشنطن تغيّر شكل العلاقة

أما الولايات المتحدة، فتبدو مستعدة للانتقال من العلاقة العسكرية المرتبطة بمهمة التحالف إلى صيغة أوسع من التعاون مع بغداد.

فالانسحاب لا يعني بالضرورة نهاية العلاقة الأميركية العراقية، بل يمكن أن يفتح الباب أمام تعاون أمني واقتصادي وتنموي وسياسي بصيغة مختلفة.

وتبقى واشنطن، في المقابل، معنية بسؤال أساسي: هل تستطيع بغداد المحافظة على استقرارها الأمني بعد انتهاء المهمة العسكرية، من دون أن يتحول الفراغ الناتج عن الانسحاب إلى مساحة إضافية للنفوذ الإيراني؟

وهذا السؤال سيظل حاضراً في الحسابات الأميركية حتى بعد خروج القوات.

معركة الزيدي ليست مع واشنطن

وبالنسبة إلى الزيدي، فإن المعركة الأكثر تعقيداً قد لا تكون مع الجانب الأميركي الذي وافق على إنهاء المهمة، وإنما مع التوازنات الداخلية التي ستظهر بصورة أوضح بعد مغادرة القوات الدولية.

فالحكومة مطالبة بإقناع الشارع والقوى السياسية بأن الانسحاب لن يؤدي إلى تراجع أمني، وفي الوقت نفسه مطالبة بإثبات أن شعار السيادة لا يعني انتقال القرار الأمني من قوة أجنبية إلى قوى مسلحة محلية.

وبين هذين المسارين، يصبح 30 سبتمبر أكثر من مجرد موعد عسكري.

إنه تاريخ يفترض أن تبدأ بعده مرحلة جديدة في العراق، سيكون فيها على الحكومة أن تثبت أن الدولة التي تطالب باستعادة سيادتها قادرة أيضاً على ممارسة هذه السيادة على الأرض.

ثلاث معارك في وقت واحد

ويواجه الزيدي، مع اقتراب الموعد، ثلاث معارك مترابطة: الأولى الحفاظ على الجاهزية الأمنية ومنع أي فراغ تستغله التنظيمات المسلحة، والثانية إدارة ملف الفصائل والسلاح خارج إطار الدولة، والثالثة الحفاظ على علاقة متوازنة مع واشنطن من دون أن تتحول نهاية المهمة العسكرية إلى بداية أزمة جديدة.

وفي النهاية، فإن نجاح تجربة ما بعد التحالف لن تحدده مراسم مغادرة آخر جندي أجنبي، بل ما ستفعله بغداد في اليوم التالي.

فإذا تمكنت الحكومة من تعزيز المؤسسات الرسمية وفرض القانون وحصر قرار السلاح بالدولة، فقد يتحول الانسحاب إلى محطة لتثبيت السيادة العراقية.

أما إذا بقيت مراكز القوة موزعة بين المؤسسات الرسمية والفصائل المسلحة، فقد تجد بغداد نفسها أمام سؤال أصعب: هل انتهى الوجود العسكري الأجنبي فعلاً، أم أن العراق دخل فقط مرحلة جديدة من صراع النفوذ؟