خاص
تتّسع حملة مكافحة الفساد في العراق لتلامس، للمرة الأولى منذ سنوات، شخصيات تنتمي إلى قوى سياسية مختلفة، في مشهدٍ بدأ يغيّر طبيعة النقاش الدائر حولها. فبعدما انطلقت الحملة باستهداف مسؤولين تنفيذيين في مؤسسات الدولة، جاء اعتقال مدير عام شركة توزيع المنتجات النفطية والقيادي في تيار الحكمة حسين طالب، ليضيف بُعداً سياسياً جديداً، ويطرح سؤالاً يتجاوز الواقعة نفسها: هل تمضي الحملة باتجاه شمول جميع القوى، أم أنها ستبقى عرضةً لاتهامات الانتقائية والاستهداف السياسي؟.
وجاء اعتقال طالب، الذي كان يستعد لأداء اليمين الدستورية نائباً في مجلس النواب عن تيار الحكمة، ليشكّل أول اختبار سياسي من هذا النوع، خصوصاً أنه ينتمي إلى أحد أبرز أطراف الإطار التنسيقي. ووفقاً لمصدر أمني تحدث لـ”جريدة”، فإن عملية الاعتقال نُفذت بهدوء في منطقة شارع الربيع غربي بغداد، عبر قوة أمنية واحدة ووفق الإجراءات القانونية، من دون أن تكشف الجهات الرسمية حتى الآن عن طبيعة التهم أو أسباب التوقيف، وهو ما أبقى الملف في إطار التحقيقات الأولية.
وسرعان ما أصدر تيار الحكمة الوطني أول تعليق له على القضية، متبنياً موقفاً مختلفاً عن ردود الفعل التقليدية التي اعتادت القوى السياسية إصدارها عند توقيف أحد منتسبيها. إذ أكد المتحدث باسم التيار، حسام الحسني، دعم الإجراءات التي تتخذها الدولة، ممثلة بالحكومة والسلطة القضائية وهيئة النزاهة، في مكافحة الفساد وحماية المال العام، مشدداً على أن احترام المؤسسات الدستورية يقتضي ترك الأمر للقضاء، وأن المتهم يبقى بريئاً حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات، فيما تبقى المسؤولية، إن ثبتت، مسؤولية شخصية لا تمتد إلى أي عنوان سياسي أو حزبي.
ويعكس هذا الموقف محاولة للفصل بين الانتماء السياسي والمسؤولية القانونية، وهي معادلة طالما كانت موضع جدل في العراق، حيث ارتبطت كثير من ملفات الفساد، خلال السنوات الماضية، بسجالات حزبية متبادلة، اتهمت فيها القوى السياسية بعضها بعضاً باستخدام القضاء وهيئات الرقابة لتصفية الخصوم أكثر من محاربة الفساد.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن استمرار الحملة لن يكون مقنعاً للرأي العام ما لم تُطبّق بالمعايير نفسها على جميع القوى السياسية، إذ إن تركيز التحقيقات على جهة واحدة أو بيئة سياسية محددة سيعيد إنتاج الانطباع بأن ما يجري لا يتجاوز حدود التسقيط السياسي، فيما تكمن قوة الحملة الحقيقية في قدرتها على تجاوز الانتماءات والرمزيات والنفوذ، وإخضاع الجميع لمعيار قانوني واحد.
ويبدو أن هذا التصور يجد صداه داخل الإطار التنسيقي نفسه، إذ أكد القيادي في الإطار عامر الفائز، في تصريح صحافي، أن حملة مكافحة الفساد لن تستثني أي شخصية، بغض النظر عن موقعها أو رمزيتها الدينية أو الاجتماعية أو السياسية، متى ما ثبت تورطها في قضايا فساد، في إشارة إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد توسعاً في دائرة التحقيقات لتشمل مسؤولين من مختلف الاتجاهات.
وبذلك، فإن اعتقال حسين طالب لا يُقرأ باعتباره قضيةً تخص شخصيةً سياسية بعينها، بقدر ما يمثل اختباراً لمسار الحملة بأكمله. فنجاحها لن يُقاس بعدد الموقوفين، ولا بالأسماء التي تُعلن تباعاً، بل بقدرتها على ترسيخ قناعة بأن القانون يسري على الجميع بلا استثناء، وأن ملفات الفساد تُدار بمعيار الأدلة والتحقيقات القضائية، لا وفق حسابات الانتماء السياسي. وفي بلدٍ أنهكته سنوات المحاصصة، قد يكون هذا هو الامتحان الأصعب للحملة، والأكثر تأثيراً في استعادة ثقة الشارع بمؤسسات الدولة.