بقلم/ الباحث الاقتصادي يعقوب يوسف الخضر

قراءة في ضوء مطالبة العراق بزيادة حصته الإنتاجية في أوبك
نادراً ما يمكن فهم أي تصريح سياسي أو اقتصادي مهم إذا قُرئ بمعزل عن بقية التصريحات المرتبطة به. وينطبق ذلك على تصريح رئيس مجلس الوزراء العراقي أثناء مقابلة له مع الصحفية الاقتصادية الأمريكية هادلي غامبل بشأن تخصيص 500 ألف برميل يوميا للمساهمة في في إعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكيReserve – SPR Strategic Petroleum. فقد أثار هذا التصريح اهتماماً واسعاً داخل العراق، وتركز معظم النقاش على سؤال واحد: لماذا يخصص العراق هذه الكميات للولايات المتحدة؟ إلا أن هذا السؤال، على أهميته، قد لا يكون هو السؤال الأهم.
فبعد أيام قليلة من هذا التصريح، دعا رئيس مجلس الوزراء إلى إعادة النظر في الحصة الإنتاجية للعراق داخل منظمة أوبك، معتبراً أن الحصة الحالية لم تعد تنسجم مع القدرات الإنتاجية للبلاد ولا مع احتياطياته ولا مع احتياجاته التنموية. ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: هل نحن أمام تصريحين منفصلين، أم أن كليهما يشكل جزءاً من رؤية أوسع للسياسة النفطية العراقية؟
لا توجد حتى الآن تصريحات رسمية تربط بين الأمرين لا من الجانب العراقي ولا من الجوانب المعنية الاخرى، ولذلك فإن ما يرد في هذا المقال يمثل قراءة تحليلية للوقائع المعلنة، وليس عرضاً لمعلومات غير منشورة.
إذا نُظر إلى التصريحين معاً، فمن الممكن افتراض أن العراق لا يسعى فقط إلى إيجاد مشترٍ جديد لنفطه، بل يعمل أيضاً على تهيئة أسواق وشراكات تستوعب أي زيادة مستقبلية في إنتاجه إذا ما نجح في الحصول على حصة إنتاجية أكبر داخل أوبك, وهو أمر ليس باليسير. وفي هذه الحالة، فإن مبادرة تخصيص 500 ألف برميل يومياً لا تكون مجرد صفقة لتصدير النفط، وإنما جزءاً من استراتيجية أوسع تستخدم النفط أداةً لتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية.
ومن الناحية التجارية، تثير المبادرة أسئلة لا تقل أهمية عن أبعادها السياسية. فالكميات المعلنة تعادل نحو 15% من صادرات العراق النفطية الحالية، وهو حجم كبير يستوجب معرفة ما إذا كانت هذه البراميل ستُقتطع من الصادرات الحالية, لاسواق معينة, أم ستأتي من زيادة مستقبلية في الإنتاج. كما أن البرنامج, إذا استمرعاماً كاملاً, سيبلغ نحو 182.5 مليون برميل وهو رقم كبير مقارنة ببرامج إعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي خلال السنوات الأخيرة.
ويبرزهنا سؤال آخر يتعلق بآلية التنفيذ. فوزارة الطاقة الأمريكية U.S. Department of Energy لا تقوم، في العادة، بشراء النفط بعقود توريد حكومية طويلة الأجل بصورة مباشرة Direct Purchase بالرغم من قانون الأحتاطي الأستراتيجي الأمريكي يسمح بذلك, وإنما تعتمد على طلبات شراء ومناقصات تنافسية, طلب عروض Request for Proposals – RFP تُطرح وفق احتياجات الاحتياطي، وتخضع للاعتمادات المالية التي يوافق عليها الكونغرس، ولظروف السوق وأسعار النفط. لذلك، فإن أي برنامج طويل الأمد بحجم 500 ألف برميل يومياً قد يتطلب ترتيبات قانونية وتجارية خاصة تختلف عن الآليات التقليدية، وهو أمر لم تُعلن تفاصيله حتى الآن, هذا غير الترتيبات اللوجستية فيما اذا كان استقبال 500 الف برميل يوميا قابلا للتنفيذ عمليا أم أنه يحتاج ألى جدول زمني أطول.
ومن الجانب العراقي، فإن شركة تسويق النفط العراقية (سومو) تعتمد في العادة على عقود بيع طويلة الأجل مع المصافي والشركات العالمية، وتحدد أسعارها وفق نظام أسعار البيع الرسمية (Official Selling Prices – OSP) المرتبط بالمؤشرات السعرية العالمية، وليس من خلال أسعار تفضيلية أو خصومات سياسية. ولذلك، فإن أي مبيعات إلى الحكومة الأمريكية، إذا تمت بصورة مباشرة، قد تحتاج إلى إطار تعاقدي مختلف، أما إذا جرت من خلال المناقصات الأمريكية المعتادة، فإن النفط العراقي سيدخل في منافسة تجارية مع خامات أخرى من حيث السعر، والجودة، وكلفة النقل، وشروط التسليم.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للمبادرة لا ينبغي أن تُقاس بسعر النفط أو بحجم البراميل المصدرة، وإنما بما يمكن أن تحققه للعراق من مكاسب اقتصادية واستراتيجية إذا كانت جزءاً من شراكة متكاملة تشمل الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وتطوير قطاع الطاقة، وليس مجرد بيع النفط.
وفي هذا السياق، تبدو المقارنة مع الاتفاق العراقي – الصيني لعام 2019 مفيدة. فقد استند ذلك الاتفاق إلى تخصيص إيرادات ما يعادل 100 ألف برميل يومياً لتمويل مشاريع البنية التحتية داخل العراق، فيما عُرف بسياسة “النفط مقابل الإعمار” أما المبادرة الحالية، فإذا ما اقترنت باستثمارات أمريكية ومشاريع تنموية ونقل للتكنولوجيا، فقد تمثل نموذجاً مختلفاً يمكن وصفه ب “النفط مقابل الشراكة الاستراتيجية” والفرق بين النموذجين لا يكمن في النفط نفسه، بل في طبيعة العائد الذي يسعى العراق إلى تحقيقه من توظيف ثروته النفطية ومع ذلك، يبقى من المبكر إصدار أحكام نهائية على المبادرة، لأن كثيراً من تفاصيلها لم يُعلن بعد. فلا تزال هناك أسئلة أساسية تتعلق بمدة البرنامج، والجهة المشترية، وآلية التعاقد، وطريقة السداد، ومدى توافق المبادرة مع التزامات العراق داخل أوبك، وتأثيرها في الأسواق التي تستقبل معظم الصادرات العراقية حالياً، ولا سيما الأسواق الآسيوية.
وأياً تكن الإجابات عن هذه الأسئلة، فإن المبادرة تطرح قضية أعمق من مجرد تخصيص 500 ألف برميل يومياً للولايات المتحدة. فهي تدعو إلى التفكير في مستقبل السياسة النفطية العراقية نفسها. فهل يتجه العراق إلى استخدام النفط بوصفه أداة لبناء شراكات اقتصادية واستراتيجية وتحقيق أهداف تنموية، بدلاً من الاكتفاء بالنظر إليه كمصدر للإيرادات العامة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن النقاش الحقيقي يجب ألا يقتصر على وجهة تصدير هذه البراميل، بل ينبغي أن يتركز على كيفية توظيف الثروة النفطية لتحقيق أعلى قيمة مضافة للاقتصاد العراقي وتعزيز مكانة العراق في سوق الطاقة العالمية.