الكمارك العراقية.. حين تتحول التوجيهات إلى أفعال ميدانية

بقلم – علي الشيخ

في زمن اعتاد فيه المواطن على سماع الشعارات أكثر من رؤية النتائج، تبدو بعض المؤسسات اليوم وكأنها قررت أن تسلك طريقاً مختلفاً، طريق العمل الميداني والإنجاز الحقيقي بعيداً عن ضجيج التصريحات.

وزارة المالية، ومن خلال رؤيتها لإصلاح مفاصل الدولة الاقتصادية، وضعت ملف الكمارك في صدارة أولوياتها باعتباره واحداً من أهم أبواب حماية الاقتصاد الوطني وتعظيم الإيرادات غير النفطية. هذه الرؤية لم تبق حبراً على ورق، بل وجدت من يترجمها إلى خطوات عملية على الأرض.

مدير عام الهيئة العامة للكمارك ثامر قاسم يقود اليوم واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المؤسسة، واضعاً نصب عينيه هدفاً واضحاً يتمثل في إحكام الرقابة على المنافذ والمراكز الكمركية، ومواجهة التهرب الكمركي الذي استنزف المال العام لسنوات طويلة.

الزيارات الميدانية المتواصلة التي يشهدها عدد من المراكز الكمركية ليست مجرد جولات بروتوكولية، بل رسائل مباشرة بأن الإدارة العليا تتابع التفاصيل بنفسها، وتبحث عن مكامن الخلل لمعالجتها، وتراقب الأداء من الميدان لا من خلف المكاتب المغلقة.

الخطة الكمركية التي يجري تطبيقها اليوم ترتكز على معادلة دقيقة؛ تسهيل التجارة المشروعة من جهة، ومنع التلاعب والتجاوز على القانون من جهة أخرى. وهي معادلة طال انتظارها، لأن الاقتصاد القوي لا يقوم على الانفتاح غير المنظم، ولا على الإجراءات المعقدة التي تعرقل النشاط التجاري، بل على التوازن بين الانسيابية والرقابة.

ما يلفت الانتباه أن الهيئة بدأت تتعامل مع ملف حماية المنتج الوطني بوصفه جزءاً من الأمن الاقتصادي للبلاد، فكل عملية ضبط للتهرب الكمركي لا تعني فقط زيادة الإيرادات، بل تعني أيضاً حماية المصانع المحلية والأسواق العراقية من المنافسة غير العادلة.

التحديات ما زالت كبيرة، ولا أحد يدعي أن الطريق مفروش بالورود، لكن المؤشرات الحالية تؤكد أن هناك إرادة حقيقية لتطبيق القانون وتعزيز هيبة الدولة داخل المراكز الكمركية كافة. وهذه الإرادة هي الأساس الذي يمكن البناء عليه لإحداث تحول حقيقي في هذا القطاع الحيوي.

إن نجاح الخطة الكمركية لا يُقاس بعدد البيانات الصادرة أو الزيارات المنفذة فحسب، بل بقدرتها على ترسيخ ثقافة جديدة عنوانها الشفافية والانضباط وحماية المال العام. ويبدو أن وزارة المالية، عبر متابعتها المستمرة، ومدير عام الكمارك ثامر قاسم من خلال حضوره الميداني وإدارته المباشرة للملف، ماضية في هذا الاتجاه بخطوات ثابتة تستحق المتابعة والتقييم والدعم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار