العراق بين الدولة المختطفة والدولة الممكنة

بقلم سعد عاصم الجنابي
لم يعد من الممكن في العراق اليوم استخدام لغة التجميل السياسي. بعد أكثر من عشرين عامًا، الحقيقة أصبحت واضحة وصادمة في آن واحد: ما تشكّل بعد 2003 لم يكن دولة بالمعنى الحقيقي، بل منظومة حكم قامت على تقاسم النفوذ، وتغليب المصالح الحزبية، وتهميش فكرة الدولة نفسها. الدولة لم تُدار… بل قُسّمت.
في كثير من الحالات، لم تُفهم السلطة كمسؤولية، بل كامتياز. بعض من وصلوا إلى مواقع القرار في الحكومة أو البرلمان أو الأحزاب أو محيطها تعاملوا مع الدولة كأنها ملك خاص، لا كأمانة عامة. تكرّست مع الوقت عقلية خطيرة: المسؤول فوق المواطن، المنصب فوق القانون، الحزب فوق الدولة، والمصلحة الخاصة فوق المصلحة الوطنية. ومن هنا بدأ الانحراف الحقيقي.
لم يكن الفساد مجرد حالات فردية، بل تحوّل إلى بنية متكاملة. تشكلت منظومة مترابطة من: نفوذ سياسي، غطاء إداري، مصالح اقتصادية، ومراكز قوة خارج إطار الدولة. هذه المنظومة لم تضعف الدولة فقط… بل أفرغتها من معناها.
أحد أخطر ما حدث لم يكن الفساد وحده، بل إقصاء الكفاءة. تم تهميش آلاف الكفاءات العراقية العلمية والإدارية والمهنية تحت ذرائع سياسية أو خوفًا من الاستقلالية داخل مؤسسات الدولة. فحلّ الولاء مكان الخبرة، والانتماء مكان الكفاءة، والمحاصصة مكان المهنية. وهنا لم تخسر الدولة أشخاصًا فقط… بل خسرت قدرتها على إدارة نفسها.
هناك حقيقة يجب أن تُقال بوضوح: لا تفرضوا آراءكم أو توجهاتكم على الشعب العراقي، ولا تحمّلوا الشعب نتائج أخطائكم أو صراعاتكم أو حساباتكم. العراق ليس ساحة لتجاربكم، ولا منصة لتصفية مشاكلكم. من يقرر خارج مصلحة الدولة، عليه أن يتحمل نتائج قراره بنفسه… لا أن يدفع الشعب الثمن. ومن لا يستطيع العمل ضمن إطار الدولة والقانون، فالأجدر به أن يبتعد.
من يعتقد أن المنصب يمنحه حصانة… مخطئ. ومن يعتقد أن النفوذ دائم… واهم. القوة الحقيقية ليست في الموقع، بل في شرعية الناس. والشرعية لا تُفرض… بل تُمنح.
لقد وصل العراق إلى لحظة فاصلة. كل من تورّط في الفساد، أو أساء استخدام السلطة، أو اعتدى على أبناء الشعب، أو ساهم في إضعاف الدولة… سيجد نفسه أمام مرحلة مختلفة. هذه ليست تهديدات، بل طبيعة التحولات. فالدول قد تُضعف… لكنها لا تموت، والشعوب قد تصبر… لكنها لا تنسى. ولا يصح في النهاية إلا الصحيح.
ورغم كل ما حدث، العراق ليس دولة منتهية. العراق يمتلك: شعبًا حيًا، طاقات شابة، موارد هائلة، وموقعًا لا يمكن تجاهله. ما ينقصه ليس الإمكانيات… بل القرار. قرار بإعادة بناء الدولة على أساس: الكفاءة، القانون، المسؤولية، والهوية الوطنية.
العراق ليس ملك حكومة، ولا حزب، ولا جهة. العراق ملك لجميع العراقيين. أما من أساء استخدام السلطة، فسيبقى مجرد مرحلة… وسيمر. ويبقى العراق.



