مذكرات رجل دين تُشعل جدلاً واسعاً حول إرث الاقتتال الداخلي في كردستان

متابعات|

 أعاد تقرير نشره موقع The Amargi الكُردي–الألماني الناطق بالإنجليزية تابعه “جريدة” تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات حساسية في الذاكرة السياسية الكُردية؛ وذلك بعد أن أثارت مذكرات رجل الدين الملا حمة يوسف موجة واسعة من الجدل، بسبب ما تضمّنته من إشارات إلى مرحلة الاقتتال الداخلي، واللجوء إلى النظام العراقي السابق خلال فصول ذلك الصراع، إضافة إلى ما أورده عن “قوات رزكاري” التابعة للعائلة النقشبندية.

ورغم أن المذكرات صيغت في إطار توثيقي شخصي، فإن تفاعل الجمهور معها، ورفض أتباع الطريقة النقشبندية نشرها، كشفا عن عودة إرث الصراعات القديمة إلى دائرة النقاش العام. وقد دفع ذلك الكاتب إلى تقديم اعتذار علني عبر تسجيل مصوّر، والتعهد بسحب النسخ المتداولة من الأسواق تمهيدًا لتصحيح محتواها.

فيما يلي النص المترجم للتقرير الذي أعدّه “رينوار نجم”، مع إجراء تعديلات طفيفة على الصياغة:

خلال الأسابيع الأخيرة، وجد الواعظ الديني الملا حمة يوسف كوجر نفسه في قلب عاصفة سياسية تعود جذورها إلى ما يقرب من نصف قرن. فقد أثارت مذكراته المثيرة للجدل، إضافة إلى رسالة منسية لأحد القادة الكُرد، جدلاً واسعاً حول الاحتراب الداخلي الكردي، والدعم الخارجي، ومن يملك حق رواية التاريخ.

كرّس كوجر صفحات من مذكراته المنشورة حديثاً للحديث عن «جيش رزگاري»؛ وهو تشكيل مسلّح ظهر في جبال كردستان الشرقية (شمال غرب إيران) في خضم الفوضى التي أعقبت ثورة 1979. وقد ارتبط هذا التشكيل تاريخياً بالطريقة النقشبندية، وقاده الشيخ النافذ عثمان نقشبندي، وخاض مواجهات مع النظام الإيراني الجديد، وسط اتهامات بتلقي دعم مالي وعسكري من نظام صدام حسين.

كان كوجر حاسماً في تقييمه؛ إذ رأى أنّ إنشاء هذا الجيش كان خطأً سياسياً فادحاً، وأن قبول المساعدة من بغداد – المتورطة في جرائم واسعة ضد الكُرد – كان خطيئة سياسية وأخلاقية. وانتقد الشيخ عثمان لكونه «جریا مع الموج»، ووضع آماله على النظام البعثي للإطاحة بالنظام الإيراني الجديد. كما حمّل الجيش مسؤولية المشاركة في الاقتتال الداخلي الكردي وما ترتّب على ذلك من خسائر بشرية.

 

ردود الفعل الغاضبة

جاء الرد سريعاً. فقد اتهم مريدون من الطريقة النقشبندية كوجر بالإساءة إلى شيخ مُقدّر، وبتحريف التاريخ. وشنّ علماء دين ونشطاء مرتبطون بالطريقة حملة ضغط عبر وسائل التواصل لإجباره على التراجع.

ورغم أن كوجر ظهر في فيديو يعتذر فيه عن أي خطأ غير مقصود، إلا أنّ أحد علماء الطريقة طالب بسحب الكتاب من الأسواق وإصدار نسخة منقحة تُحذف منها أي إشارة للنقشبندية.

للوهلة الأولى، يبدو هذا خلافاً طبيعياً – وإن كان قابلاً للتقاضي – بين حق الكاتب في إعادة قراءة الماضي وحساسية الجماعات الدينية. غير أن الخلاف، ضمن السياق الكردي، أعاد فتح جرح تاريخي عميق يتصل بالحروب الأهلية الكردية وبالتنافس بين الحركات السياسية الذي ما زال يلقي بظلاله على المنطقة حتى اليوم.

 

جيش صغير وسط حرب مزدحمة

مع سقوط الشاه عام 1979، كانت كردستان الشرقية مسرحاً لفصائل مسلّحة متعددة: قوميون كُرد، حركات يسارية، بقايا الجيش الملكي، قوى عشائرية، وقوات الحرس الثوري الإيراني. كان النفوذ يتغيّر بشكل يومي، والتحالفات تتبدل مثل خطوط القتال.

في هذه الفوضى، دخل الشيخ عثمان نقشبندي – وهو زعيم صوفي مخضرم ذو نفوذ عابر للحدود – إلى المشهد وشكّل «سپایی رزگاري»، معتمداً على أتباعه من مناطق هورامان. ويصف الباحث مارتن فان بروينيسن هذا التشكيل بأنه «جيش دراويش» يدافع عن الطريقة النقشبندية وعن المجتمع المحيط بها.

لكن الجيش وجد نفسه سريعاً في مواجهة عدة أطراف، وليس النظام الإيراني وحده.

يذكر فان بروينيسن أنّ الشيخ أسس الجيش لدوافع دفاعية وسياسية، نظراً لعلاقته القديمة بالشاه، وكون النقشبندية في إيران كردية–سنية في بيئة إيرانية يغلب عليها الحكم الشيعي. ومع وصول النظام الجديد، تضاعفت المخاوف. وفي ظل تعدد الفصائل الكردية، رأى الشيخ أن القوة المسلحة هي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على نفوذه.

وبحسب كوجر، رأت بغداد – الخاضعة حينها لحكم البعث – في ذلك فرصة، فدعمت الجيش بالمال والسلاح.

الاشتباك مع رفاق الساحة

سرعان ما أصبحت المواجهات بين «جيش رزگاري» والحركة الكردية اليسارية كومه‌له أكثر من مواجهته للنظام. فقد اعتبرت كومه‌له الشيخ «إقطاعياً وعدواً طبقياً»، بينما رأى عناصر الجيش منافسيهم اليساريين «ملحدين»، واعتبروا الحرس الثوري الإيراني شراً أقل وطأة.

هذا الانزلاق، كما تذكّر مذكرات كوجر، كانت له كلفة دموية: إذ تورط الجيش عميقاً في الاقتتال الكردي–الكردي.

ويصف القيادي السابق في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني حاتم أنبري في مذكراته «آلام وتجارب» الجيش بأنه كان ينمو بسرعة بدعم عراقي، خلافاً للاعتقاد القديم بأنه مدعوم من بقايا النظام الملكي.

ويذكر أنبري أن كومه‌له هاجمت الجيش خوفاً من تشكّل تحالف بينه وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني ضدها. وبعد فترة قصيرة، انهزم الجيش لأن معظم مقاتليه كانوا غير متمرسين ومترددين في قتال أبناء جلدتهم. وانتقل بعضهم لاحقاً إلى صفوف الحزب الديمقراطي.

الرسالة التي ظهرت بعد 45 عاماً

عاد إلى الواجهة مؤخراً وثيقة تعود لعام 1980: رسالة بخط اليد من جلال طالباني، نُشرت أولاً في كتاب أصدره الحرس الثوري الإيراني. تضيف الرسالة بعداً جديداً لفهم علاقة الجيش النقشبندي بالخريطة السياسية الكردية.

كتب طالباني – الأمين العام للاتحاد الوطني حينها – رسالة إلى الشيخ عثمان في 12 آذار 1980، ذكّره فيها بعلاقتهما الودية رغم الانتقادات التي يوجّهها الآخرون. وأعرب عن قلقه من تلقي الشيخ دعماً مالياً وعسكرياً من «عدونا حكومة العراق»، ومن دخوله في تعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي)، الذي كان خصماً حاداً للاتحاد الوطني آنذاك.

 

ووصف طالباني – بلهجة قاسية – بغداد والبارتي بأنهما «قتلة الشعب الكردي»، مستعيداً مرارة انهيار الثورة الكردية عام 1975 ومآسي السنوات اللاحقة. ونصحه بعدم قبول مزيد من الدعم من صدام، مذكّراً بأنه أسدى النصيحة ذاتها لكل القوى الكردية.

 

تُظهر الرسالة عمق الشكوك المتبادلة بين القوى الكردية، ودور العمق الاجتماعي والديني في تشكيل التحالفات.

 

بين البارتي والاتحاد… جذور صراع لم ينته

 

مع بداية الثمانينيات، كانت الخصومة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني قد أصبحت متجذرة. فبعد انهيار الحركة الكردية عام 1975، انشق طالباني مع رفاقه وأسّس الاتحاد الوطني من رحم الخسارة والشتات. وفي حين كان البارتي يعيد بناء نفسه من إيران، كان الاتحاد يشق طريقه عبر حرب عصابات ضد بغداد، وتطورت الصدامات بين الطرفين إلى تنافس حاد على النفوذ.

 

وفي ظل حرب إيران–العراق، تعمقت الخصومات. تقرّب الاتحاد من طهران ودمشق، بينما نسج البارتي علاقاته مع إيران ثم مع الغرب. واتهم كل طرف الآخر بالتفريط في القضية الكردية.

 

في هذا المشهد، دخل جيش رزگاري كلاعب صغير لكنه ذو رمزية ثقيلة. فقد رآه الاتحاد الوطني – بدعم بغداد وقربه من البارتي – تهديداً لميزان القوى في شرق كردستان، فقطع طرق إمداده وأضعفه.

 

وبحلول أوائل الثمانينيات، اختفى الجيش من الميدان. ويرى بروينيسن أن الجيش النقشبندي الأخير فشل لأنه كان معزولاً سياسياً، وضعيفاً عسكرياً، ومتصادماً اجتماعياً مع تحولات العصر.

 

توفي الشيخ عثمان في إسطنبول عام 1997 عن عمر 101 عام، فيما استمرت شبكات الطريقة، لكن الجيش نفسه أصبح جزءاً من التاريخ فقط.

 

إرث الصراعات… يعود إلى السطح

 

لا يزال إرث تلك المرحلة حياً في حاضر السياسة الكردية. إذ يظل البارتي والاتحاد الوطني القوتين المهيمنتين في إقليم كردستان، وتنفجر خصومتهما أحياناً في شكل صراع مسلح كما حدث في تسعينيات القرن الماضي.

 

ضمن هذا المشهد، تتجاوز أزمة مذكرات كوجر مجرد نقاش أكاديمي؛ فهي تمس سمعة عائلات دينية نافذة، وتعيد فتح ملفات الدور الذي لعبه النظام البعثي في تعميق الانقسامات الكردية، وتنعكس على حساسية العلاقات بين القوى الكردية في إيران والعراق.

 

وتكتسب القضية بعداً إضافياً مع عودة الشيخ مادح، نجل الشيخ عثمان وأحد قادة الجيش السابقين، إلى كردستان بعد أربعة عقود في بريطانيا. وقد استقبله مسؤولون في البارتي استقبالاً لافتاً في مطار أربيل، في خطوة رآها البعض بمثابة إحياء لتحالفات قديمة.

 

بالنسبة لطالباني عام 1980، كان هذا التقارب بين الشيخ والبارتي – المدعوم حينها عراقياً – تهديداً لمجمل «الثورة الكردية». أمّا بالنسبة لكوجر اليوم، فهو يطرح سؤالاً يزعج الجميع: من قاتل من؟ ولحساب من؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار