كردستان العراق قصة توازن سياسي ونمو اقتصادي وسط الأزمات

بقلم :د. محمدعبيد حمادي

برزت حكومة إقليم كردستان، ومقرها أربيل، في السنوات الأخيرة كفاعل سياسي متزن وواقعي في المشهد العراقي، بعد عقود من التوتر المزمن وسوء التفاهم بين أربيل وبغداد. فبدلًا من السير في طريق الصدام، اختارت حكومة الإقليم، بقيادة السيد مسرور بارزاني منذ عام 2019، أن تعتمد نهجًا جديدًا يقوم على الحوار والشراكة، ويستند إلى الدستور العراقي كمرجعية لتنظيم العلاقة مع الحكومة الاتحادية. هذه السياسة المتوازنة أثبتت نجاحها في تقليل حدة الأزمات، وتحقيق نتائج عملية على الأرض في ملفات شائكة كقضية النفط والموازنة والرواتب.

لقد تمكنت حكومة أربيل، من خلال التفاهم مع بغداد، من التوصل إلى اتفاق نفطي مهم في عام 2023، سمح بتصدير نفط الإقليم عبر شركة “سومو” الحكومية، مقابل التزام الحكومة الاتحادية بتأمين حصة الإقليم من الموازنة العامة. كما تم الاتفاق على تضمين رواتب موظفي إقليم كردستان ضمن قانون الموازنة، الأمر الذي ساهم في تخفيف الأزمة المالية التي كانت تعاني منها الحكومة المحلية، وضَمِن استمرار دفع الرواتب لأكثر من 1.2 مليون موظف ومتقاعد في الإقليم. ولم يقتصر التعاون على الجانب المالي فقط، بل شمل أيضًا التنسيق الأمني، خصوصًا في المناطق المتنازع عليها، بما أسهم في تعزيز الاستقرار ومكافحة فلول الإرهاب في المناطق الحدودية.

في الجانب الاقتصادي، اتخذت حكومة الإقليم خطوات ملموسة نحو تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للإيرادات. وقد أطلقت برامج دعم للقطاع الزراعي والصناعي، ووفّرت تسهيلات كبيرة للمستثمرين المحليين والأجانب، الأمر الذي أسفر عن تسجيل أكثر من ألف مشروع استثماري جديد بين عامي 2020 و2023. ووفقًا للإحصاءات الرسمية، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.5% في عام 2023، مقارنة بنسبة 2.8% في عام 2021، في وقت عانى فيه الاقتصاد الإقليمي والدولي من تقلبات كبيرة. كما استثمرت الحكومة في البنية التحتية، حيث تم تنفيذ مشاريع تعبيد للطرق بطول تجاوز 320 كيلومترًا، وتحسين شبكات الكهرباء لتغطي نحو 94% من مناطق الإقليم، إلى جانب تنفيذ مشاريع إسكان شعبي استفادت منها أكثر من 12 ألف أسرة من ذوي الدخل المحدود.

أما في قطاع التعليم، فقد شهدت السنوات الأخيرة بناء وتجديد أكثر من 450 مدرسة، مع تحسين المناهج الدراسية، وتدريب آلاف المعلمين ضمن برامج تطوير مهني بالشراكة مع مؤسسات دولية. وفي قطاع الصحة، افتتحت حكومة الإقليم خمسة مستشفيات تخصصية جديدة، وطوّرت عددًا من المراكز الطبية في المدن الرئيسية، وزوّدتها بأجهزة طبية حديثة مثل أجهزة الرنين المغناطيسي والأشعة الرقمية. وقد ساعدت هذه المشاريع في تحسين مستوى الخدمات الصحية وتقليل الحاجة إلى السفر خارج الإقليم للعلاج.

سياسيًا، لعبت أربيل دورًا بناءً في تعزيز التفاهم بين القوى العراقية، وساهمت في جهود التهدئة السياسية عبر استضافة لقاءات وطنية، والتأكيد على مبدأ الشراكة العادلة ضمن عراق اتحادي ديمقراطي. ولم يعد الإقليم يُنظر إليه ككيان مغلق أو منفصل، بل أصبح فاعلًا إيجابيًا في دعم الاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد.

تمثل تجربة حكومة أربيل في هذه المرحلة نموذجًا واضحًا للحكم الرشيد، القائم على العقلانية السياسية، والعمل التنموي، والتخطيط الاستراتيجي. لقد أثبتت أن الحفاظ على الحقوق لا يتطلب الصدام، بل يمكن تحقيقه عبر مؤسسات الدولة، والدستور، والعلاقات المبنية على الاحترام المتبادل. وإذا ما استمرت حكومة الإقليم في هذا النهج المتزن، فإن كردستان ستكون أمام فرصة حقيقية لتعزيز مكانتها على الصعيدين الوطني والإقليمي، ليس فقط من خلال الاقتصاد والبنية التحتية، بل أيضًا كأنموذج في إدارة العلاقة بين المركز والإقليم، يقوم على الشراكة لا التبعية، وعلى الاستقرار لا التوتر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار