جريدة/
تنتشر ظاهرة استخدام منتجات التبغ بين طلبة المدارس في مختلف مدن العراق، وبعضهم أطفال لم يصلوا بعد إلى مرحلة المراهقة، ما دفع إدارات مدارس إلى اتخاذ إجراءات مشددة تصل إلى تفتيش حقائب الطلبة وملابسهم خلال أوقات الدوام، في محاولة للحد من التدخين داخل البيئة المدرسية.

ومع عدم وجود أرقام رسمية حديثة تحدد حجم الظاهرة، كشف مسح أجرته منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع وزارة الصحة العراقية عام 2019، وشمل 2560 طالباً تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عاماً، أن 15.7 بالمئة منهم كانوا يستخدمون أحد منتجات التبغ، فيما بلغت نسبة استخدام السجائر الإلكترونية 7.5 بالمئة.

ويؤكد المرشد التربوي علي حسين أن “هذه النسب متواضعة قياساً بما نشاهده حالياً، إذ يمكن أن تصل نسبة مدخني السجائر التقليدية بين طلاب المدارس الثانوية إلى 30 بالمئة، فضلاً عن انتشار السجائر الإلكترونية والنارجيلة”.

ويضيف حسين أن “احتساب مختلف أشكال التدخين، من السجائر التقليدية والإلكترونية إلى النارجيلة، قد يرفع نسبة الطلبة المدخنين إلى نحو 60 بالمئة في بعض المدارس”.

ووراء هذه الأرقام، تواجه عائلات عراقية تحدياً يومياً في التعامل مع تدخين أبنائها، يبدأ بمراقبة السلوك والأصدقاء وقد يصل إلى فرض قيود على خروجهم، خشية تحول تجربة التدخين المبكرة إلى عادة مستمرة أو بوابة لسلوكيات أخرى.

ويقول عمر جاسم، وهو أب لثلاثة أبناء تبلغ أعمارهم 10 و12 و16 عاماً، إنه اكتشف استخدام ابنه الأكبر للسجائر الإلكترونية والنارجيلة، ما دفعه إلى تشديد الرقابة على أبنائه، بسبب مخاوفه من أن يتحول التدخين المبكر إلى سلوك يصعب التعامل معه مستقبلاً.

وفي تجربة أخرى، اضطر فيصل الجواري قبل عامين إلى مغادرة الحي الشعبي الذي عاش فيه سنوات طويلة وسط بغداد والانتقال إلى منطقة أخرى، بسبب مخاوفه على ولديه البالغين 14 و15 عاماً من البيئة المحيطة وانتشار التدخين بين المراهقين والشباب.

ويقول الجواري إن “القرار لم يكن سهلاً، لكن انتشار التدخين بين الشباب والمراهقين جعلني أشعر بأن الحي لم يعد بيئة مناسبة لتربية أطفالي، وكنت أخشى أن يقود الانخراط المبكر في التدخين إلى سلوكيات أكثر خطورة”.

وفي منزل آخر، تحاول الأرملة جنان كريم التعامل مع المشكلة منذ اكتشافها أن ابنها البكر البالغ 17 عاماً يستخدم السجائر الإلكترونية ويدخن النارجيلة منذ نحو عامين، وينفق جزءاً من مصروفه على شراء منتجات التبغ.

وتقول كريم إن “ابني مجتهد في دراسته، وهذه أكثر نقطة تجعلني حائرة، فهو ليس ابناً سيئاً، لكنني أخاف عليه من التدخين لأنه لا يزال صغيراً وأخشى أن يؤثر ذلك في صحته ومستقبله”.

وبعد فشل محاولاتها في منعه، لجأت الأم إلى السماح له بتدخين النارجيلة داخل المنزل بهدف تقليل الوقت الذي يقضيه في المقاهي، معتبرة أن ذلك ساعدها في إبقائه قريباً من العائلة ومتابعة دراسته، رغم استمرار مخاوفها من التدخين.

من جانبها، ترى الباحثة الاجتماعية زهراء العامري أن المحيط الاجتماعي يلعب دوراً كبيراً في تشكيل سلوك الأطفال والمراهقين، مشيرة إلى انتشار ما تصفه بـ”التدخين الجاذب”، والمتمثل خصوصاً بالسجائر الإلكترونية والنارجيلة.

وتوضح العامري أن “السجائر الإلكترونية تأتي بنكهات وروائح مختلفة ولا تترك الرائحة نفسها التي تنتج عن السجائر التقليدية، ما يجعلها أكثر جذباً للصغار والمراهقين، والأمر نفسه ينطبق على النارجيلة من حيث طريقة تحضيرها وشكلها ونكهاتها”.

وتشير إلى أن الانتشار الواسع للمقاهي التي تقدم النارجيلة في مختلف المدن العراقية أسهم في جعلها أكثر حضوراً أمام الفئات العمرية الصغيرة، وزاد من فرص التجربة والمحاكاة بين المراهقين.

وفي المقابل، يكشف حديث عدد من المراهقين عن دوافع مختلفة تقف وراء بدء التدخين، تتراوح بين الفضول وتقليد الكبار وتأثير الأصدقاء، وصولاً إلى الضغوط النفسية والاجتماعية.

ويقول جعفر عامر، البالغ 17 عاماً، إنه بدأ التدخين بسبب إعجابه بالسجائر ومحاولة التشبه بالكبار، قبل أن يرتبط الأمر بالنسبة إليه بالضغوط النفسية التي يعيشها بعد تركه المدرسة مبكراً للعمل ومساعدة عائلته.

أما عبد الله، البالغ 15 عاماً، فيقول إنه بدأ تدخين السجائر الإلكترونية والنارجيلة برفقة أصدقائه بدافع الفضول، لكن التجربة تحولت بعد ذلك إلى عادة متكررة، مشيراً إلى أن غالبية أصدقائه يدخنون أيضاً.