جريدة
بعد أكثر من عقدين على إنشاء وزارة شؤون البيشمركة، وأكثر من عقد على بدء المحاولات الدولية والمحلية لإعادة بناء القوة الكردية على أساس مؤسساتي واحد، أعلنت حكومة إقليم كردستان في العاشر من أيلول 2026 استكمال عملية توحيد وإعادة تنظيم قوات البيشمركة، في خطوة وصفتها وزارة البيشمركة بأنها “إنجاز تاريخي وحدث مفصلي”.
وأعلن وزير شؤون البيشمركة شورش إسماعيل أن “قوات البيشمركة أصبحت موحدة تحت مظلة الوزارة، وأن عملية إعادة التنظيم شملت الألوية والفرق وقيادات المناطق، مع مباشرة قيادتي المنطقتين العسكريتين مهامهما رسمياً”.
لكن الإعلان يفتح ملفاً أكبر من مجرد اكتمال عملية إدارية، يتعلق بمدى تحقق توحيد القوات فعلياً، وما إذا كانت مرحلة وجود قوتين عسكريتين كبيرتين مرتبطتين بالحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان قد انتهت بالفعل، أم أن ما تحقق حتى الآن يقتصر على توحيد الهيكل العسكري والإداري.
نهاية قوات 70 و80
ويؤكد القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني غياث سورجي أن “عملية توحيد قوات البيشمركة اكتملت بنسبة 100 بالمئة، ولم تتبق أي قوات حزبية تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني أو الاتحاد الوطني أو أحزاب أخرى”.
ويقول سورجي إن “عملية توحيد البيشمركة بدأت منذ عام 2016، بعد انتهاء عمليات تحرير الأراضي العراقية من سيطرة تنظيم داعش، نتيجة ضغوط من التحالف الدولي الذي لوّح بإيقاف الدعم المالي والعسكري والأسلحة المقدمة إلى قوات البيشمركة”.
ويضيف أن “ما بعد العاشر من أيلول يختلف عما قبله، إذ لم تعد هناك قوات 70 أو قوات 80، بعدما تحولت إلى قوات المنطقة الأولى والمنطقة الثانية، وفق التصنيفات العسكرية المعتمدة، كما أصبح بإمكان أي عنصر في البيشمركة الالتحاق بالوحدات العسكرية بعيداً عن التقسيمات الجغرافية السابقة”.
ويشير سورجي إلى أن “ما تبقى في الوقت الحالي هو إنهاء أي سيطرة حزبية، وهي المرحلة الأخيرة من عملية التوحيد، على أن تنتهي خلال مدة أقصاها نهاية العام الحالي، لتنتقل إدارة قوات البيشمركة بجميع تشكيلاتها إلى وزارة البيشمركة والقيادة العليا للقوات العسكرية”.
11 فرقة عسكرية
وكان المدير العام للإعلام والتوعية في وزارة البيشمركة عثمان محمد قد كشف، في حزيران الماضي، أن الهيكلية القديمة لوحدتي 70 و80 جرى تحويلها إلى إطار قيادات مناطق، وأن الإقليم سيكون بعد اكتمال العملية أمام 11 فرقة عسكرية، ست فرق ضمن المنطقة الأولى وخمس فرق ضمن المنطقة الثانية.
وارتبطت قوات 80 تاريخياً بالحزب الديمقراطي الكردستاني، فيما ارتبطت قوات 70 بالاتحاد الوطني الكردستاني، وبقيت الوحدتان، رغم وجود وزارة رسمية للبيشمركة، تتمتعان بدرجات مختلفة من الارتباط الحزبي.
وكانت الوزارة قد أعلنت في وقت سابق أن المنطقة الأولى أنجزت إعادة التنظيم، فيما بقيت بعض الإجراءات الإدارية في المنطقة الثانية، على أن تستكمل خلال أيلول، وهو الموعد الذي تزامن بالفعل مع إعلان الوزير اكتمال العملية.
إرث الحرب الأهلية
ويعود الانقسام العسكري داخل إقليم كردستان إلى مرحلة الحرب الأهلية الكردية في تسعينيات القرن الماضي، إذ احتفظ كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بجزء كبير من قواته، رغم إعادة تأسيس المؤسسات الرسمية ومحاولات دمج القوات.
وفي عام 2006، تم التوصل إلى اتفاق لإعادة توحيد المؤسسات العسكرية، وتأسست وزارة البيشمركة لاحقاً باعتبارها المؤسسة الرسمية المسؤولة عن القوات، إلا أن الدمج الكامل ظل متعثراً، وبقيت قوتا 70 و80 تمثلان جوهر الانقسام العسكري بين الحزبين.
وبحسب وثيقة صادرة عن حكومة الإقليم، بلغ تمويل برنامج التدريب والتجهيز الأميركي للعراق في السنة المالية 2025 نحو 380.7 مليون دولار، فيما بلغ طلب السنة المالية 2026 نحو 212 مليون دولار، بانخفاض يقارب 44 بالمئة.
رسالة قبل 30 أيلول
ويأتي إعلان توحيد البيشمركة قبل موعد 30 أيلول، الذي يرتبط بإنهاء مهمة التحالف الدولي ومساعي الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، ما يمنح الخطوة بعداً يتجاوز إعادة الهيكلة العسكرية الداخلية إلى العلاقة بين أربيل وكل من بغداد وواشنطن.
وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد تعهد بالمضي في ملف حصر السلاح بيد الدولة، فيما طالبت فصائل مسلحة رئيسية بضمانات تتعلق بانسحاب القوات الأميركية وإنهاء النفوذ الأميركي، وطرحت في المقابل ملف قوات البيشمركة ضمن النقاش بشأن القوى المسلحة في العراق.
وبذلك، يضع إعلان العاشر من أيلول إقليم كردستان أمام اختبار المرحلة الأخيرة من عملية بدأت قبل سنوات، إذ لم يعد التحدي متعلقاً بإلغاء تسميات قوات 70 و80 أو إعادة توزيع الوحدات ضمن المناطق والفرق العسكرية فحسب، وإنما بمدى انتقال القرار العسكري بصورة كاملة من الأحزاب إلى المؤسسات الرسمية.