بقلم/ عامر عبد الجبار
“النمذجة الاقتصادية ليست حسابات رياضية منفردة أو أرقام محددة، بل هي منظومة متكاملة من البيانات الكمية والافتراضات العقلية والفرضيات المدعومة بحقائق مؤكدة ومعادلات رياضية دقيقة مؤهلة لتحليل النتائج المستقبلية وفقاً لحالتها ومجالها وزمن حدوثها، لمحاولة إجراء محاكاة أقرب للدقة في صناعة القرار.”
الموجة الأولى لتأثيرات الموديل الاقتصادي الذي أعلنته الحكومة العراقية قبل عدة أيام بدأت بالتشكل، ومع الأسف التبعات ظهرت سلبية.
مع رفع كلفة تجهيز الكهرباء للمعامل بنسبة (83.3 %) بموجب قرار سابق لمجلس الوزراء وفقاً لصناعيين عراقيين، رافق ذلك زيادة الرسوم الكمركية للمواد الأولية الداخلة في الصناعات المحلية، بالتزامن مع أعلان (الموديل الاقتصادي) الحكومي الجديد أقرّ مجلس الوزراء العراقي شراء النفط الخام المجهز لشركات التصفية والشركات التابعة لوزارة النفط وفقاً لسعر شركة تسويق النفط “سومو” أو السعر المثبت في الموازنة (أيهما أقل) مع تطبيق خصم بنسبة 30% سنوياً، اعتباراً من 1 أيلول 2026، مما يقلل من القدرة التنافسية للصناعات العراقية أمام المواد والمنتجات المستوردة.
النمذجة الاقتصادية ليست حسابات رياضية منفردة أو أرقام محددة، بل هي منظومة متكاملة من البيانات الكمية والافتراضات العقلية والفرضيات المدعومة بحقائق مؤكدة ومعادلات رياضية دقيقة مؤهلة لتحليل النتائج المستقبلية وفقاً لحالتها ومجالها وزمن حدوثها، لمحاولة إجراء محاكاة أقرب للدقة في صناعة القرار.
(الموديل الاقتصادي) الذي أعلنته الحكومة وأدعت أنه موضوع من قبل خبراء يتقاطع مع توجهها الخاص بتوفير السكن لمواطنيها عبر مبادرة (وطن لكل مواطن) لتوزيع مليون قطعة أرض للمحرومين من أبناء العراق.
بدأت التأثيرات الأولى على قطاع صناعة وانتاج مواد البناء من معامل طابوق وأسمنت وغيرها، مع أحتساب نواتج البطالة والتضخم وسوء الإدارة النقدية والمالية والاقتصادية المستمرة منذ عقود، ستتحول المبادرة من وطن لكل مواطن الى معاقبة كل مواطن، فما فائدة توزيع قطعة أرض مقابل أنخفاض القدرة الشرائية للمستفيد وأرتفاع كلف مواد البناء.
يضاف الى ذلك، ان المعامل المحلية ليست مجرد خطوط أنتاج، بل دورة اقتصادية ضمن منظومة متكاملة للاقتصاد الوطني ومجال لتوفير فرص العمل بالاضافة الى انتاج السلع والخدمات، وما يعانيه العراق اليوم من تضخم بأعداد التوظيف في القطاع العام وأرتفاع نسب البطالة، سيؤدي حتماً لمشاكل أجتماعية ترتبط بالواقع المعاشي للمواطن العراقي المعتمد على العمل في القطاع الخاص، مع تأثيرات سلبية للقدرة الشرائية للعاملين في القطاع العام.
ما يجري الآن في إدارة الدولة العراقية هو أجترار لحلول سابقة أثبتت فشلها طيلة سنوات وعقود، ويتم الأصرار على تكرارها عبر صناعة قرارات غير مدروسة، والإصرار على أتخاذها دون دراسة كاملة للصورة الأكبر.
سبق أن حذرنا من الصناعة السيئة للقرارات الحكومية، فهي لن تؤثر على المسؤول بقدر تأثيرها المباشر على حياة الشعب ومستقلبهم، فهم من سيدفع ثمن ذلك وبشكل باهض ومباشر، من الغذاء الى الدواء الى الصحة والتعليم والمستقبل لأطفالهم.
لقد طالبنا بكتاب رسمي موجه الى السيد رئيس مجلس الوزراء للإطلاع النموذج الاقتصادي ومناقشته مع الخبراء الذين قدموه ضمن محاولة من محاولاتنا العديدة والمستمرة ولسنوات طوال في دعم صناعة قرار دولة ناجح يعالج المشكلات ولا يولّد مضاعفات، ولم يتم لغاية الآن أرسال نموذجهم الاقتصادي ولا حتى اعلامنا بخبرائهم.
الخلل يتكرر والمسببات تعاد، وفي مقدمتها الاستشارات الخاطئة التي تقدم لمتخذي القرار، أن أرضاء مسؤولي الدولة لايتم عبر خداعهم بمقترحات يبدو ظاهرها ناجح لغير المختص المتمكن والممتلك للخبرة في إدارة الدولة، وباطنه ممتلئ بالمصائب والكوارث.
منظومة صناعة القرار في الحكومة بحاجة الى إصلاح شامل (أفقياً وهرمياً) ومن المعيب ان تتحول قرارات الدولة الى تجارب مختبرية فاشلة ضحاياها مواطنيهاُ، دون ان يتحمل المسؤولون عن صناعة القرار تبعات الفشل أو تحليهم بشجاعة الأعتراف بالخطأ، وأمتلاك الرغبة الصادقة لمعالجته.
إدارة الدول ليست ارتجالات لحظية، ولا الشعوب لعبة رخيصة بيد المسؤولين الذين أثبتت الوقائع والحقائق أقتران فشلهم بالفساد إدارياً ومالياً. وأن الشعب هو من يدفع ثمن أخطاء قياداته. وعلى رئيس مجلس الوزراء النظر الى الغابة وليس الأشجار.