جريدة/
يواجه الاقتصاد العراقي ضغوطاً متزايدة في إدارة السيولة النقدية، في ظل استمرار الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية لتمويل الإنفاق العام، بالتزامن مع بقاء الجزء الأكبر من الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي، وهو ما يضع المالية العامة أمام تحديات تتعلق بانتظام التدفقات المالية وقدرة الدولة على مواجهة الصدمات الخارجية.
وتكشف بيانات الإنفاق العام خلال الربع الأول من عام 2026 عن استمرار هيمنة النفقات الجارية، إذ بلغ إجمالي الإنفاق نحو 28 تريليون دينار، استحوذت النفقات الجارية منها على نحو 26 تريليون دينار، بما يعادل 95% تقريباً، مقابل نحو 1.1 تريليون دينار فقط للنفقات الاستثمارية.
وشكلت تعويضات الموظفين أكثر من 59% من إجمالي النفقات الجارية خلال الفترة نفسها، بقيمة قاربت 15 تريليون دينار، الأمر الذي يعكس حجم الالتزامات الثابتة التي تتحملها الخزينة، ويجعل قدرتها على تمويل هذه النفقات مرتبطة بصورة مباشرة باستمرار تدفق الإيرادات، ولا سيما النفطية منها.
وتظهر بيانات السنوات الماضية استمرار النفط بوصفه المصدر الرئيس لإيرادات الدولة، إذ بلغت الإيرادات النفطية نحو 95 تريليون دينار في 2021، وارتفعت إلى 154 تريليوناً في 2022، قبل أن تبلغ 125 تريليوناً في 2023 و128 تريليوناً في 2024، ثم تتراجع إلى نحو 112 تريليون دينار خلال عام 2025.
وفي المقابل، سجلت الإيرادات غير النفطية مستويات أقل بكثير، رغم ارتفاعها تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغت 14 تريليون دينار في 2021، و8 تريليونات في 2022، و10 تريليونات في 2023، ثم 13 تريليوناً في 2024، وصولاً إلى نحو 17 تريليون دينار خلال 2025.
وسجلت الإيرادات الجمركية بدورها تحسناً، بعدما ارتفعت من نحو تريليون دينار في 2023 إلى تريليوني دينار في 2024، ثم 2.5 تريليون دينار خلال 2025، فيما وصلت إلى المستوى نفسه حتى نهاية حزيران 2026، وسط توسع في تطبيق نظام “أسيكودا” وأتمتة الإجراءات الجمركية وتشديد عمليات الرقابة والتحصيل.
ولا تقتصر تحديات السيولة على طبيعة الإيرادات والإنفاق، إذ تكشف بيانات البنك المركزي العراقي حتى حزيران 2026 عن وجود كتلة نقدية ضخمة خارج القطاع المصرفي، بعدما بلغ إجمالي النقد المصدر نحو 111.2 تريليون دينار، فيما وصل النقد الموجود خارج الجهاز المصرفي إلى نحو 101.97 تريليون دينار، بما يعادل 91.7% من إجمالي النقد المصدر.
ويعني بقاء هذه النسبة الكبيرة من الأموال خارج المصارف محدودية قدرة القطاع المصرفي على استقطاب المدخرات وإعادة توجيهها نحو الائتمان والاستثمار وتمويل النشاط الاقتصادي، بالتزامن مع استمرار حاجة الدولة إلى تدفقات مالية منتظمة لتغطية التزاماتها الجارية.
ويرى المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أن الضغوط الحالية تكشف حاجة العراق إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة أساسية على السيولة المتأتية من النفط إلى اقتصاد قادر على توليد الأموال من مصادر متعددة، لافتاً إلى أن الاحتياطيات المالية تستطيع امتصاص الصدمات، لكن لفترة محدودة.
وقال صالح إن “تنويع مصادر الدخل يمثل الوسيلة الأكثر استدامة لتقليل الاعتماد على الاحتياطيات والإيرادات النفطية، فيما يمكن لتوجيه جزء أكبر من عائدات النفط نحو البنية التحتية المنتجة والصناعة والزراعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا ورأس المال البشري أن يعزز قدرة الاقتصاد على توليد السيولة والعملات الأجنبية”.
واعتبر صالح أن الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز تمثل اختباراً لقدرة العراق على إدارة السيولة والحفاظ على الاستقرارين المالي والنقدي واستمرار حركة التجارة والصادرات النفطية، مشيراً إلى أن الاختبار الأهم سيكون في مرحلة ما بعد الأزمة وكيفية معالجة نقاط الضعف التي كشفتها اضطرابات تدفقات النفط والتجارة.
وحذر من أن عودة الاقتصاد العراقي إلى نمطه السابق بعد انتهاء الأزمة ستعني إعادة إنتاج المشكلات ذاتها عند حدوث صدمات جديدة، داعياً إلى استثمار الضغوط الحالية في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً على مستوى الإيرادات والإنتاج والتصدير.