بقلم/ أحمد السامرائي
لقد انبلج فجر المولد النبوي الشريف في ليل العالم الحالك، لا كحدثٍ تطويه صحائف التاريخ العابرة، بل كوثبةٍ وجودية كبرى أعادت صياغة الكينونة الإنسانية، ونفخت روح الأخلاق في جسد الحضارة الذي كاد يفتك به جفاف المادية وعبثية العدمية المعاصرة؛ لقد عاش إنسان اليوم المغترب في أروقة الحداثة الصلبة حالة من الانفصام على مستوى بنيانه المعرفي، حيث تضخم عقله التقني على حساب قلبه الروحي، فبات عملاقًا في العلم قزمًا في القيمة، يبني ناطحات السحاب ويهدم سكينة النفس، ومن رحم هذا التيه المعرفي والظمأ الوجداني، تشرق الذات المحمدية كنموذج أسمى وبلسم شافٍ، يجمع شتات النفس البشرية ويرتق فتقها ببيان يخلب الألباب، وفلسفة تقيم الحجة، ورحمة تسكب العبرة.

إن المتأمل في عمق البعثة النبوية يدرك أن جوهرها لم يكن مجرد صياغة لتشريعات جافة، بل هو التأسيس لفلسفة “الائتمانية الكونية” التي تجعل الأخلاق أصلًا ثابتًا تفرعت عنه شرايين الحياة ومناحي الوجود؛ فلم يكن غريبًا أن يُلقّب عليه الصلاة والسلام بـ”الصادق الأمين” قبل أن تتنزل عليه آيات الأحكام والمواريث والسياسة، وفي هذا التقديم الزمني كشفٌ حجاجي باهر على أن القيمة الأخلاقية سابقة على المنظومة التشريعية ومؤصلة لها، فالرسول ﷺ لم ينطلق في دعوته من سلطة الإكراه، بل من أمانة التزكية، حيث غدت “الأمانة” عنده ميثاقًا غليظًا يربط الأرض بالسماء، والظاهر بالباطن، في مباينة صارخة لأطروحات الحداثة وتداولياتها البعدية التي بترت الفعل الإنساني عن مدده الغيبي ولدنيته الروحية، حتى كادت تمارس التفاعلات الحياتية بعيدًا عن رقابة الضمير وسلطان الأخلاق، بينما يقدم البديل النبوي رؤية متكاملة يرى فيها الإنسان نفسه مستخلفًا مؤتمناً على الكون، لا سيدًا مستبدًا فيه، فتتحول الحركات والسكنات اليومية إلى محراب عبادة وتزكية يتجلى فيها صدق الائتمان الأخلاقي.
ولم يكن هذا التجلي الائتماني الأخلاقي مجرد انزواء روحي في صوامع التبتل، أو تحليقًا في فضاءات التجريد الفلسفي المحض، بل تجسد واقعًا حائلًا في معادلة “الإنسان الكامل” المعجزة، تلك الشخصية الفذة التي حطمت جدران التناقض الموهوم، وجمعت بين أشتات الصفات التي تتفرق في غيره من عظماء الرجال؛ فبينما يرى الفيلسوف في التأمل العقلي غاية المراد، ويرى العابد في الانقطاع عن الدنيا منتهى النجاة، ويسعى المادي متخففًا من قيود الزهد، نجد المصطفى ﷺ يشيد هرمًا شامخًا من التوازن الروحي والعملي، فهو العابد المتبتل في محرابه ليلًا حتى تتورم قدماه الشريفتان من طول القيام، وهو نفسه القائد الحازم الفطن نهارًا في ميادين البناء، والأب الحاني الذي يفيض رقة في بيته، والقاضي الصارم الذي يقيم العدل ولو على أقرب الأقربين إليه، هذا التوازن المعجز يمثل ترياقًا يقيل إنسان العصر الرقمي من عثرة التشظي والانقسام، ويحميه من آفة التطرف؛ فلا هو يرتد إلى ظلمات المادية التي تحوّله إلى ترسٍ في آلة، ولا هو ينكفئ على ذاته في صوفية سلبية تهجر عمارة الكون والحياة؛ بل تدفعه الرؤية المحمدية ليكون طاقة وبناءً، يعمر الدنيا بقلبٍ معلق بالآخرة، مستهدياً بأنوار النبوة الشاخصة كمنارٍ وسط أمواج العواصف الحضارية العاتية.
بيد أن هذه العبقرية الفلسفية، وهذا التوازن الأخلاقي الصارم كاد أن يكون بناءً ذهنياً باردًا لو لم يمتزج بدفق العاطفة الجياشة، وجماليات الوجدان الرقيق، وبيان الرحمة النبوية التي رطبت جفاء النفوس في سعيها؛ فوا عجبًا لقلبٍ وسع الهموم الكونية الشاهقة، كيف لا يتسع لدمعة طفل مسكين، ولوعة عصفور فُجع في فراخه، وأنينِ جذعٍ جمادٍ حنّ وشاقه وعيد الذكر والخطاب!
إن الرحمة المحمدية ليست مجرد فكرة تُدرس في متون الأخلاق، بل هي عينٌ تدمع شوقًا لأمة لم تره، ويدٌ حانية تمسح على رأس يتيم أوصى بالإحسان به، ونَفَسٌ يفيض عطفًا على الضعفاء والمحرومين، حتى كأن حروف بيانه الشريف قطرات من طلّ الفجر تهبط على القلوب القاسية فتحيلها رياحين بالحياة نابضة، ومثل هذا البيان الوجداني المشرق هو الذي يحول الحجة العقلية الجافة إلى قوة جاذبة تأسر الأفئدة؛ فالإنسان لا ينقاد للمبادئ بعقله الوجيز وحده، بل يستسلم للجمال الإنساني حين يراه متجسدًا في نبل الشمائل وعذوبة الخلال، فتغدو السيرة النبوية بذلك قصة عشقٍ روحي، تتمازج فيها دموع العارف الشاكر بعقل الفيلسوف الحكيم.
وصفوة القول ومستقر الختام، إن المولد النبوي الشريف ليس مجرد تذكار سنوي نذرف فيه العبرات أو ننشد فيه المدائح ترويحًا عن النفوس، بل هو إعلان عن “ميلاد دائم” للقيم الإنسانية المطلقة، واستدعاء لنموذج الخلاص الحضاري الذي لا غنى عنه لإنسان هذا العصر المعذب؛ فحين تلتقي أصالة الأخلاق الائتمانية بتوازن الإنسان الكامل، وتتدثر برداء الرحمة البيانية والرقّة الوجدانية، يكتمل العقد الفريد وتلوح معالم السيرة لا كأطلال تزار، بل كمنهج حياة يُعاش، وإن استلهام هذه الرؤية الجامعة هو الكفيل بانتشال البشرية من اغترابها وقلقها الوجودي، ليعود العقل إلى رشده، والقلب إلى نبضه، في وحدة متناغمة تصدح بأن محمدًا ﷺ ما زال، وسيظل، الروح الفاعلة التي تحيي عظام الحضارة الإنسانية وهي رميم.