جريدة ـ خاص | ..
مع تصاعد المفاوضات التي تقودها حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي مع عدد من الفصائل الشيعية بشأن ملف حصر السلاح بيد الدولة، يعود إلى الواجهة سؤال قديم جديد: هل تمثل هذه المفاوضات مساراً استثنائياً فرضته الظروف الحالية، أم أنها امتداد لتجربة سياسية وأمنية تكررت منذ سقوط النظام السابق عام 2003؟
هذا السؤال يفتح الباب أمام مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ العراق الجديد، بدأت مع بروز التيار الصدري كأحد أبرز التنظيمات السياسية والاجتماعية والعسكرية داخل العراق بعد الاحتلال الأميركي، مروراً بمواجهات النجف عام 2004، وصولاً إلى صولة الفرسان عام 2008، ثم المراحل اللاحقة التي أعادت إنتاج العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة بصيغ مختلفة.
منصة “جريدة” فتحت حواراً مطولاً مع احد القيادات السياسية الشيعية البارزة ، حيث بين ان قراءة هذه المرحلة لا يمكن أن تبدأ من عام 2003 فقط، لأن القوى السياسية المعارضة للنظام السابق كانت قد عقدت اجتماعات ونظمت نفسها خارج العراق منذ عام 1991، باستثناء التيار الصدري الذي لم يكن جزءاً من تلك المعارضة الخارجية.
ويقول القيادي إن التيار الصدري، من خلال نشاط المرجع الشهيد محمد محمد صادق الصدر، ولا سيما إقامة صلاة الجمعة، كان يعمل على بناء أحد أركان المعارضة داخل العراق، وتحويل النشاط الديني إلى مساحة منظمة للحضور السياسي والاجتماعي، مع إبقاء فكرة التهيئة لنظام سياسي بديل حاضرة في الوعي العام.
ويرى أن هذه النقطة لم تحظَ، بحسب تقديره، بما يكفي من التغطية الإعلامية، خصوصاً أن التيار الصدري كان عند سقوط النظام عام 2003 من أكثر التنظيمات السياسية والاجتماعية تنظيماً داخل البلاد.
وبعد أشهر قليلة من الاحتلال الأميركي، برزت ملامح القوة الصدرية الجديدة، مع إعادة إقامة صلاة الجمعة في عدد من المناطق، وتوسيع النشاط التنظيمي، وصولاً إلى تشكيل جيش المهدي في عام 2004.
وبحسب القيادي، فإن ظهور هذه القوة المسلحة والسياسية بهذا الحجم أحدث “صدمة” لدى ثلاث جهات رئيسية.
الأولى كانت الولايات المتحدة، التي لم تكن تتوقع، وفق روايته، وجود تنظيم شعبي واسع بهذا المستوى من التنظيم داخل العراق، وخصوصاً أنه كان يحمل خطاباً رافضاً للاحتلال الأميركي.
أما الجهة الثانية فكانت إيران، التي كانت ترتبط بعلاقات وثيقة مع عدد من القوى السياسية الشيعية التي عادت إلى العراق بعد 2003، وفي مقدمتها المجلس الأعلى ومنظمة بدر وحزب الدعوة، في وقت ظهر فيه التيار الصدري كقوة مستقلة ذات قاعدة جماهيرية واسعة.
والجهة الثالثة، وفق القيادي، كانت القوى السياسية العراقية نفسها، ولا سيما القوى الشيعية المنافسة، التي لم تكن تتوقع حجم انتشار التيار الصدري وقدرته على التنظيم والحشد والتحرك في الشارع.
ويقول القيادي السياسي الشيعي, إن التيار الصدري أصبح، بعد 2003، أحد أكبر التنظيمات السياسية الفاعلة داخل العراق، إلى جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، فيما كانت التنظيمات الشيعية الأخرى تمتلك وجوداً داخل البلاد لكنه لم يكن، بحسب تقديره، مماثلاً من حيث الانتشار الشعبي والتنظيم الميداني.
ومن هنا، يرى القيادي أن بروز “جيش المهدي” لم يكن مجرد ظهور فصيل مسلح جديد، بل كان تحولاً “أربك” الحسابات الأميركية والإيرانية وحسابات القوى السياسية العراقية في آن واحد.
هل كانت مفاوضات أم ضغوطاً؟
هذه النقطة تقود إلى واحدة من أبرز روايات القيادي السياسي الذي عاصر تلك المرحلة وكان شاهداً عليها , والذي يتحفظ على وصف ما جرى مع التيار الصدري في تلك المرحلة بأنه “مفاوضات” بالمعنى السياسي المتعارف عليه.
يقول إن ما جرى كان أقرب إلى ممارسة ضغوط متعددة، خارجية بأدوات داخلية، بهدف دفع التيار الصدري إلى التراجع عن جزء من مشروعه السياسي والعسكري.
وبحسب روايته، فإن قوى سياسية كانت تخشى أن يؤدي انتصار التيار الصدري بمشروعه العسكري والسياسي إلى تراجع نفوذ الأحزاب الإسلامية الشيعية، فضلاً عن تقليص التأثير الإيراني داخل الساحة العراقية.
ويرى أن التيار الصدري كان يقدم نفسه بوصفه قوة عقائدية ووطنية تمتلك مشروعاً يتجاوز حدود تمثيل المذهب أو المكون، وهو ما جعله، وفق القيادي، منافساً مختلفاً عن بقية القوى الموجودة في الساحة.
ويضيف أن تلك المرحلة شهدت محاولة لإيجاد “أضداد نوعية” للتيار الصدري، سواء على المستوى الطائفي أو العرقي أو القومي، ثم لاحقاً على المستوى الاجتماعي والطبقي، بهدف الحد من تمدده وتأثيره.
ويعتبر القيادي أن هذا الملف يحتاج إلى بحث مستقل للكشف عن الجهات التي دعمت تشكيل هذه الأضداد، وكيف ساهمت الصراعات الداخلية والخارجية في إعادة تشكيل الخريطة المسلحة والسياسية بعد 2003.
النجف 2004.. أول اختبار بين الدولة وجيش المهدي
في المقابل، يقدم الصحفي العراقي حسن حامد سرداح قراءة أخرى لتطور العلاقة بين الدولة والتيار الصدري، ويرى أن التفاوض بين الحكومات والفصائل المسلحة ليس جديداً، وأن أولى محطاته المهمة ظهرت في عام 2004.
فمع تصاعد المواجهات بين القوات الأميركية وجيش المهدي، دخلت شخصيات سياسية وحكومية على خط التفاوض بهدف إيقاف القتال والوصول إلى صيغة تنهي المواجهة.
ويشير سرداح في تصريحه لـ”جريدة”، إلى أن وزير الدولة لشؤون الأمن الوطني في حكومة إياد علاوي، قاسم داود، قاد جانباً من هذه الاتصالات مع التيار الصدري، فيما يذكر أن أبو مهدي المهندس كان له دور في عملية التهدئة التي أعقبت معارك النجف.
وبحسب هذه الرواية، انتهت تلك المرحلة إلى مسار يتعلق بوقف القتال وتسليم جزء من سلاح جيش المهدي، في تجربة مبكرة عكست صعوبة فرض الدولة سيطرتها على الجماعات المسلحة من خلال القوة وحدها.
وتكشف تجربة النجف، وفق هذا التفسير، أن الحكومة العراقية منذ السنوات الأولى بعد سقوط النظام وجدت نفسها أمام معادلة معقدة: فهي مطالبة ببناء مؤسسات الدولة، لكنها في الوقت ذاته تتعامل مع قوى تمتلك قاعدة شعبية وسلاحاً وتنظيماً وقدرة على التأثير في الشارع.
صولة الفرسان 2008.. المواجهة تتحول إلى تسوية بعد أربع سنوات، عادت المواجهة بصورة أكثر وضوحاً خلال حكومة نوري المالكي , ففي عام 2008 أطلقت الحكومة عملية “صولة الفرسان” في البصرة، قبل أن تمتد تداعياتها إلى مناطق أخرى، وسط مواجهة مباشرة مع التيار الصدري وجيش المهدي.
وبحسب الصحفي حسن حامد سرداح، تحركت أطراف سياسية خلال تلك المرحلة للوساطة بين الحكومة والتيار الصدري، في محاولة لوقف المواجهة.
وبعد ستة أيام من انطلاق العملية، وتحديداً في 30 آذار 2008، أعلن مقتدى الصدر توجيه أتباعه في جيش المهدي إلى إيقاف القتال، مع التأكيد على البراءة ممن يحمل السلاح ولا يلتزم بالأوامر.
وتحوّلت تلك اللحظة إلى محطة مفصلية في تاريخ التيار الصدري؛ إذ لم تنتهِ المواجهة فقط بوقف إطلاق النار، بل فتحت الباب أمام إعادة ترتيب العلاقة بين التيار والدولة، وإعادة تنظيم البنية العسكرية والاجتماعية للتيار خلال السنوات اللاحقة.
الانشقاقات.. سلاح آخر في مواجهة التيار
لكن القيادي السياسي البارز يقدم تفسيراً مختلفاً للمرحلة التالية، إذ يرى أن الضغوط لم تأتِ فقط من خلال المواجهة المباشرة أو التفاوض السياسي، وإنما استفادت أيضاً من الانقسامات الداخلية التي ظهرت داخل التيار الصدري.
ويشير إلى أن انسحاب أتباع التيار من المواجهة المسلحة، وقرار مقتدى الصدر بسحب أنصاره في مراحل مختلفة، أتاحا، فرصة أمام خصوم التيار لإنشاء خلايا وتشكيلات مسلحة من داخل البيئة الصدرية نفسها.
ويرى أن بعض الانشقاقات لم تكن مجرد خلافات تنظيمية، وإنما تحولت لاحقاً إلى قوى سياسية وعسكرية فاعلة في المشهد العراقي، بعد أن كانت في الأصل جزءاً من البيئة التنظيمية للتيار الصدري.
ويعتبر أن هذا المسار أدى إلى إضعاف التيار ومحاولة تمزيقه من الداخل وتعميق الجراحات التنظيمية، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن تلك المحاولات لم تحقق جميع أهدافها، بسبب ما يصفه بقوة قيادة مقتدى الصدر، والإرث التاريخي والديني والفكري لآل الصدر، فضلاً عن تماسك القاعدة الشعبية للتيار.
من جيش المهدي إلى مشهد الفصائل الحالي
ويرى القيادي أن المشهد الحالي يحمل مفارقة لافتة, فالقوى السياسية التي كانت جزءاً من الصراع على النفوذ مع التيار الصدري في مراحل سابقة، باتت اليوم تشارك في جهود التهدئة والحوار بين الحكومة والفصائل المسلحة بشأن
حصر السلاح بيد الدولة.
لكن القيادي لا يفسر هذا التحول بأنه نابع بالضرورة من رغبة في إنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة، بل يرى أن الدافع الأساسي هو الحفاظ على التوازن السياسي والأمني القائم.
وبحسب قراءته، فإن الإطار التنسيقي، بوصفه مظلة سياسية تضم قوى شيعية رئيسية، يسعى إلى الحفاظ على موقع الأحزاب الشيعية داخل السلطة، ومن يريد المشاركة في العملية السياسية، وفق هذا التصور، عليه أن يقبل بقواعدها وتوازناتها، بينما يؤدي الخروج عنها إلى العزلة السياسية.
ويستشهد القيادي بنسبة العزوف عن المشاركة السياسية، التي يقدرها بنحو 55 إلى 60 بالمئة، باعتبارها مؤشراً على وجود شريحة واسعة لا ترغب في الدخول تحت مظلة التوازنات السياسية الحالية.
لماذا تتدخل قوى الإطار في حوارات السلاح؟
هنا يضع القيادي تفسيراً مباشراً لدور قوى الإطار التنسيقي في تجسير العلاقة بين حكومة الزيدي والفصائل المسلحة.
ويقول إن هذه القوى تخشى من تحول أي خلاف بين الحكومة والفصائل إلى فرصة سياسية للتيار الصدري أو لقوى معارضة أخرى للعودة إلى المشهد.
وبحسب تحليله، فإن اندلاع مواجهة بين الحكومة والفصائل قد يمنح التيار الصدري فرصة لإعادة تقديم نفسه باعتباره قوة سياسية معارضة، فيما قد يؤدي نجاح الحكومة في فرض سيطرتها الكاملة على السلاح إلى تقوية رئيس الوزراء على حساب القوى السياسية التي تدعمه.
وفي المقابل، فإن فشل الحكومة أو دخولها في مواجهة واسعة قد يضع الإطار التنسيقي أمام أزمة سياسية، باعتباره القوة التي شكلت الحكومة وتتحمل مسؤولية دعمها.
ولهذا، يرى القيادي أن “الحل الوسط” بالنسبة إلى هذه القوى هو إبقاء الحكومة في حالة توازن، لا قوية بما يكفي لفرض تغيير جذري، ولا ضعيفة إلى درجة الانهيار، مع استمرار قنوات الحوار والوساطة بينها وبين الفصائل المسلحة.
وبحسب هذه القراءة، فإن الهدف ليس بالضرورة إنهاء ملف السلاح سريعاً، وإنما منع انفجار الصراع حوله بطريقة تعيد ترتيب موازين القوى السياسية.
حصر السلاح.. تكرار للتاريخ أم لحظة مختلفة؟
بين رواية القيادي السياسي الشيعي ورواية الصحفي حسن حامد سرداح، تظهر صورة أكثر تعقيداً من مجرد القول إن الحكومة الحالية تتفاوض مع الفصائل.
فتجارب 2004 و2008 تكشف أن الدولة العراقية لجأت، في مراحل مختلفة، إلى الحوار والوساطة إلى جانب القوة العسكرية، للوصول إلى ترتيبات توقف المواجهات أو تعيد تنظيم وضع السلاح.
ومن هذا المنظور، فإن مفاوضات حكومة الزيدي الحالية قد تكون امتداداً لصراع طويل بدأ منذ الأيام الأولى بعد سقوط النظام: صراع بين الدولة والقوى المسلحة من جهة، وبين القوى السياسية نفسها على النفوذ والتمثيل والسيطرة على القرار من جهة أخرى.
ففي عام 2004 كان عنوان الأزمة جيش المهدي والوجود الأميركي ومعارك النجف.
وفي عام 2008 أصبح العنوان صولة الفرسان وسلطة الحكومة المركزية.
أما اليوم، فقد أصبح العنوان هو “حصر السلاح بيد الدولة”، لكن خلف هذا العنوان ما تزال الأسئلة القديمة حاضرة: من يملك السلاح؟ ومن يملك القرار؟ ومن يحدد شكل الدولة؟ ومن يملك القدرة على فرض التوازنات السياسية والأمنية؟
وبحسب القيادي السياسي، فإن جوهر المشهد الحالي يتمثل في محاولة منع توفير بيئة تسمح بعودة التيار الصدري، أو بتحقيق حصر فعلي للسلاح بيد الدولة، أو بتعزيز مبدأ السيادة، أو بفتح ملفات مكافحة الفساد بصورة تهدد موازين القوى القائمة.
أما سرداح، فيضع المسألة في إطار تاريخي أوسع، مفاده أن الحكومات العراقية منذ 2003 لم تتعامل مع الفصائل المسلحة من خلال خيار واحد، بل تنقلت بين المواجهة والوساطة والتفاوض وإعادة التنظيم، بحسب طبيعة كل مرحلة.
وبين هذين التفسيرين، تبدو مفاوضات حكومة الزيدي اليوم أمام اختبار أكثر تعقيداً من مجرد الوصول إلى اتفاق مع الفصائل؛ لأنها تتعامل مع إرث يمتد لأكثر من عقدين، كانت فيه قضية السلاح دائماً جزءاً من صراع أوسع على الدولة والسلطة والنفوذ ومستقبل النظام السياسي العراقي.