جريدة |..

 

رغم مرور سنوات على تحرير المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش الإرهابي، لا يزال ملف النازحين في العراق مفتوحاً، مع استمرار وجود آلاف العراقيين خارج مناطق سكناهم الأصلية، وسط تعثر برامج العودة وإعادة الاستقرار في عدد من المحافظات.

يقول عضو مفوضية حقوق الإنسان السابق، أنس أكرم محمد، إن أغلب التقارير الوطنية والدولية خلال فترة سيطرة داعش بين عامي 2014 و2018 ركزت على الاستجابة الإنسانية للنازحين، بما شمل توفير المساعدات والإغاثة والرعاية الصحية والمأوى، باعتبارها التزاماً إنسانياً وقانونياً على المستوى الدولي والوطني.

وبعد تحرير المناطق من سيطرة التنظيم، انتقلت الأولوية تدريجياً إلى ملف إعادة النازحين إلى مناطقهم، إذ تبنت الحكومات المتعاقبة منذ حكومة حيدر العبادي مروراً بحكومات عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني، برامج وخططاً لإعادة النازحين، بمشاركة وزارة الهجرة والمهجرين ومستشارية الأمن القومي والحكومات المحلية، وبمساندة من منظمات ووكالات دولية بينها الأمم المتحدة وبرامجها ووكالاتها المتخصصة.

إلا أن محمد يرى أن الجهات الحكومية المعنية لم تتمكن من استكمال برامج إعادة جميع النازحين، مرجعاً ذلك إلى عوامل متعددة، بينها العقبات اللوجستية والتمويلية والفنية، فضلاً عن عامل وصفه بالأكثر تأثيراً، وهو الموانع السياسية ذات البعد الأمني.

وأشار إلى أن هذه الموانع شكلت، ولا تزال، أحد أبرز أسباب استمرار ملف النزوح، رغم إعلان الحكومة العراقية إغلاقه رسمياً عام 2020، مؤكداً أن الواقع الميداني لا يعكس إغلاقاً كاملاً للملف.

وأوضح في حواره الخاص عبر منصة “جريدة ” ، أن مناطق في محافظات صلاح الدين ونينوى وكركوك والأنبار وديالى وبابل ما زالت تشهد تأخراً في تنفيذ برامج العودة، سواء كانت العودة طوعية أو مرتبطة بشروط أمنية وإدارية، فيما تبقى بعض المناطق، مثل جرف الصخر شمالي بابل، خارج إمكانية العودة بالنسبة لسكانها الأصليين حتى الآن.

عوائق تتجاوز الجانب الإنساني

وبحسب محمد، فإن استمرار النزوح لم يعد مرتبطاً فقط بقدرة الحكومة على توفير المساكن والخدمات الأساسية أو إعادة إعمار المناطق المتضررة، بل يرتبط بصورة أكبر بتعقيدات سياسية وأمنية تتطلب تسويات بين أطراف متعددة.

ويشير إلى أن إعادة النازحين في بعض المناطق تحتاج إلى تفاهمات بين الحكومة الاتحادية والجهات المسيطرة على تلك المناطق، فضلاً عن التفاهمات بين الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، وبين الحكومات المحلية والعشائر، رغم تراجع تأثير العامل العشائري مقارنة بالمراحل السابقة.

ويعتقد أن هذه التعقيدات حالت دون تهيئة الظروف اللازمة أمام عودة السكان إلى مناطقهم، ما جعل الملف الإنساني رهينة لحسابات أمنية وسياسية تتجاوز نطاق المؤسسات المعنية بالنزوح.

انتقادات للمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان

وأكد محمد أن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في العراق، ممثلة بالمفوضية العليا لحقوق الإنسان خلال دورتيها بين عامي 2012 و2016، ثم 2017 و2021، تابعت ملف النزوح بصورة مستمرة، ووثقت أوضاع النازحين خلال مراحل النزوح وما بعد تحرير المناطق.

وأضاف أن المفوضية أجرت عمليات رصد وتقييم للإجراءات الحكومية والدولية، وشخّصت خلال تقاريرها، ولا سيما في الفترة بين 2018 و2021 وما بعدها، حالات التلكؤ والعقبات التي حالت دون تنفيذ خطط إعادة النازحين، وقدمت جملة من المقترحات لمعالجة الملف.

ويرى محمد أن الاستجابة الحكومية للملف الإنساني لم تكن بالمستوى المطلوب، وأن جزءاً من المقترحات والإجراءات اصطدم، خلال حكومتي الكاظمي والسوداني، بموانع سياسية وأمنية، معتبراً أن هذه الإشكالية ما زالت قائمة في المرحلة الحالية.

“المشكلة سياسية وليست إنسانية”

وشدد عضو مفوضية حقوق الإنسان السابق على أن الخلل، من وجهة نظره، لا يكمن في المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان أو منظمات المجتمع المدني التي واصلت العمل مع النازحين، بل في استمرار الموانع السياسية والأمنية التي تعيق إغلاق الملف بصورة نهائية.

وقال إن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان تعرضت، بحسب تقييمه، لـ”عقوبات سياسية وإهمال حكومي” منذ عام 2020، على خلفية مواقفها وتقاريرها الرقابية والرصدية الوطنية والدولية، في حين واصلت منظمات المجتمع المدني المحلية أداء دورها في دعم النازحين والعمل على إنهاء الملف.

ويخلص محمد إلى أن معالجة ملف النزوح في العراق تتطلب الانتقال من المعالجة الإنسانية المؤقتة إلى معالجة الأسباب السياسية والأمنية التي تمنع العودة، مؤكداً أن استمرار بقاء مناطق خالية من سكانها الأصليين يعني أن إعلان إغلاق ملف النزوح لا يزال منفصلاً عن الواقع الميداني.

وبينما تقترب البلاد من طي صفحة تنظيم داعش عسكرياً، يبقى ملف العودة وإعادة الاستقرار أحد أبرز الاختبارات أمام الدولة العراقية، إذ إن إغلاقه بصورة فعلية لا يرتبط فقط بإعلان حكومي، وإنما بقدرة السلطات على إزالة العوائق التي تحول دون عودة السكان وضمان أمنهم وحقوقهم في مناطقهم الأصلية.