عمر السامرائي
يعد الإعلام وسيلة مهمة لنقل الأخبار
والاحداث من مكان إلى آخر. بل اعتبر قوة قادرة على تشكيل اطلاع الناس في فهم الأحداث. وتحديد ومواكبة ما يستحق الاهتمام. وما الذي يمكن أن يمر بصمت. وبين إعلام يصنع وعيا ثقافيا . وآخر يطارد
المشاهدات بأسلوب غير حضاري . تبدو المسافة أحيانا قصيرة من خلال نشر الاخبار بين الدول، لكنها تصنع فرقا كبيرا في وعي المجتمع ومستقبله. ونقل الثقافات في وقتنا الحالي وزمن الهواتف الذكية .وما يسمى صحافة الهاتف لم يعد الخبر ينتظر الصحيفة أو نشرة الأخبار. يكفي أن يلتقط أحدهم صورة. لحدث معين يرصده من خلال عمله او الشارع أو يكتب سطرا. أو يسجل مقطع فيديو قصير لحدث ما
تم مشاهدته . حتى يصبح قادرا على الوصول إلى آلاف الأشخاص والمشاهدات العالية خلال دقائق. هذه السرعة منحت الجمهور قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى المعلومات لكنها في الوقت نفسه جعلت الحقيقة تواجه منافسا خطيرا اسمه الضجيج الرقمي او الاعلامي.
لتوضيح الضجيج الإعلامي لا يعني كثرة الأخبار فحسب. بل يعني أن تتساوى
القضايا المهمة مع التفاصيل الهامشية. وأن يصبح الخبر الأكثر إثارة لحدث ما أكثر
حضورا من الخبر الأكثر أهمية. عندها قد يتصدر مشهد عابر مساحة في الرأي العام .
بينما تختفي قضية تمس حياة الناس لأنها لا تحقق القدر نفسه من المشاهدات
والتفاعلات .
هنا تظهر مسؤولية الإعلام الحقيقي.في نقل
المعلومات وتوضيحها
الإعلامي المهني لا يكتفي بأن يسأل بل يستخدم اسالته الستة : ماذا
حدث؟ بل يبحث عن إجابات أعمق: لماذا حدث؟ من المتأثر به؟ ما أبعاده؟ وما الذي يمكن
أن يحدث بعده؟ فالمهنة الصحفية ليست سباقا للوصول إلى الخبر قبل الآخرين فقط.
وإنما مسؤولية في تقديمه بصورة دقيقة ومتوازنة تساعد المتلقي على الفهم وادراك
الحقيقة .
حيث ان المنصات المختلفة أصبحت تقيس نجاح المحتوى بعدد النقرات
والمشاهدات والتعليقات. لا بقيمته المعرفية أو أثره الاجتماعي. وهنا يتحول الإعلام
من وظيفة تظهر الحقائق إلى سوق للمنافسة على الانتباه. فيرفع الصوت. وتختصر
القضايا المعقدة وتصنع العناوين الصادمة لأن الهدوء لا يجذب بقدر ما يجذب الجدل.
ليس الخطأ في أن يكون الإعلام جذابا. فالجاذبية جزء من نجاح الرسالة،
لكن الخطر يبدأ عندما تصبح الإثارة بديلا عن المضمون. والعنوان بديلا عن الحقيقة.
والتفاعل بديلا عن التأثير.
من هنا، فإن الإعلام لا ينبغي أن يكون مرآة لنقل الفوضى فقط. بل أداة
لفهمها. لا يكفي أن يخبرنا بما يحدث عليه أن يساعدنا على إدراك معناه. وأن يفتح
مساحة للنقاش. وأن يمنح المجتمع فرصة لرؤية المشكلة من أكثر من زاوية.
لتحقيق النجاح وايجاد حلول لمشكلات .
أما الجمهور المستقبل فيكون عليه أيضاً مسؤولية لا تقل أهمية.
فالمتلقي الذي يشارك خبرا دون التحقق منه يصبح جزءاً من صناعة الضجيج. حتى لو لم
يقصد ذلك. وفي عصرنا الذي أصبح فيه النشر أسهل من التفكير. ربما يكون التحقق من
المعلومة شكلا من أشكال المسؤولية الأخلاقية.التي تترتب على
الصحفي
حيث ان الإعلامي الناجح ليس الذي يجعل الناس يتحدثون أكثر. بل الذي
يجعلهم يفكرون أفضل.
ولعل الفارق الحقيقي بين إعلام يصنع الوعي وإعلام يصنع الضجيج يكمن في
سؤال بسيط: ماذا يبقى في عقل المتلقي بعد انتهاء الخبر؟
في النهاية، لا يحتاج المجتمع إلى إعلام أعلى صوتا. بل إلى إعلام أعمق
أثرا. إعلام يعرف أن الكلمة مسؤولية. وأن الحقيقة ليست مادة للاستهلاك. وأن
الصحافة حين تفقد بوصلتها الأخلاقية قد تتحول من سلطة تنير الطريق إلى آلة تضاعف
الفوضى.
فالوعي لا يصنع بكثرة ما نقول. وإنما بجودة ما نقول. وصدق ما ننقل.
وأثر ما نتركه في عقول الناس.