د.خالدة خليل
لا شك أن التقدم التكنولوجي قدّم خدمات جليلة للبشرية، حتى أصبح الإنترنت جزءًا أساسيًا من منظومة تشكيل الوعي وصناعة المواقف تجاه الآخرين، ولا سيما من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، التي يمكن أن تتحول إلى جسور للتفاهم والحوار وتبادل الثقافات بين الشعوب والمجتمعات المختلفة.
إلا أنها، وللأسف، قد تتحول أيضًا إلى أدوات للتدمير؛ فبدلًا من أن تكون منصات لتبادل الآراء ووجهات النظر، تتحول في بعض الأحيان إلى فضاءات خطيرة لزرع الفتنة، ونشر الكراهية، والتحريض على العنف، ولا سيما ضد الآخر المختلف.
والأكثر خطورة أن بعض مقاطع الفيديو لا تكتفي بنشر خطاب الكراهية، بل تتجاوز ذلك إلى الدعوة صراحةً إلى قتل وإبادة المختلفين في الدين أو العقيدة أو المذهب أو القومية أو العِرق. وهنا يتحول الحقد تجاه الإنسان المختلف إلى عقيدة، والعنف إلى فعل يُقدَّم بوصفه تبجحًا وبطولة، بينما يُختزل الإنسان الآخر، لمجرد اختلافه، إلى عدو ينبغي محوه وفقًا لمنظور متطرف لا يعترف بالتنوع ولا يعترف بحق الآخر في الوجود!
إن مشكلتنا الأساسية، لاتكمن في غياب القوانين التي تحاسب الأشخاص الذين يحرّضون على الكراهية والعنف، فالمشرّع العراقي وضع بالفعل نصوصًا قانونية عديدة تجرّم هذه الأفعال وتتصدى للتحريض على الكراهية والاقتتال الطائفي والتمييز.
ومع أن هذه القوانين جميعها تجرّم هذه الأفعال، وهي قوانين ضرورية لمحاسبة المتطرفين والمحرّضين، فإن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل تكفي القوانين وحدها لردع هذه الظاهرة والقضاء عليها؟
إن القضية، في جوهرها هي قضية فكرية وثقافية بالدرجة الأولى ، لأن خطاب الكراهية والتحريض على قتل الآخر لا ينشأ من فراغ، وإنما يستند إلى أفكار وقناعات وتصورات متطرفة تُنتج موقفًا عدائيًا تجاه الآخر المختلف. ولذلك، فإن مواجهة هذا النوع من التطرف لا يمكن أن يقتصر على العقوبة القانونية، بل تحتاج، إلى جانب القانون، إلى مواجهة فكرية وثقافية قادرة على تفكيك منظومة الأفكار التي تنتج الكراهية وتبرر القتل والعنف.
فإذا كان سلاح المتطرف هو الفكر الذي يبرر الكراهية والقتل والعنف، فإن مواجهة هذا الفكر لا تكون الإ بفكر مضاد أكثر قوة وقدرة على الإقناع؛ فالفكرة لا تُهزم فقط بتجريم صاحبها، وإنما بكشف زيفها، وتفنيد حججها، وتعزيز قيم التعايش والتسامح وقبول الآخر المختلف واحترام حقه في الحياة والاختلاف والوجود.
وعند النظر إلى التشريعات العراقية التي تجرّم أفعال التحريض على الكراهية والعنف والاقتتال الطائفي والتمييز، نجد أن المشرّع العراقي وضع مجموعة من النصوص القانونية التي تتصدى لهذه الأفعال، ومن أبرزها:
أولاً: الدستور العراقي لعام 2005
تنص المادة (7/أولاً) على حظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرض أو يمجد أو يروج أو يبرر له.
ثانياً: قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969
تنص المادة (195) على معاقبة من يستهدف إثارة حرب أهلية أو اقتتال طائفي أو يحث على الاقتتال بين المواطنين، بعقوبات تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام.
وتنص المادة (200) على معاقبة كل من حرّض على النزاع بين الطوائف والأجناس، أو أثار شعور الكراهية والبغضاء بين سكان العراق، أو روّج للنعرات المذهبية والطائفية، بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات.
أما المادة (202) فتعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنوات كل من أهان، بإحدى طرق العلانية، الشعب العراقي أو فئة من سكان العراق.
كما تتناول المادة (372) الأفعال المتعلقة بالاعتداء العلني على معتقدات الطوائف الدينية أو إهانة رموزها أو التشويش على شعائرها، وتضع لها عقوبات قانونية.
ثالثاً: قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005
تنص المادة (2/4) على اعتبار أفعال العنف أو التهديد التي تهدف إلى إثارة فتنة طائفية أو حرب أهلية أو اقتتال طائفي من الأعمال الإرهابية.
رابعاً: قانون حماية حقوق المكونات في إقليم كوردستان – العراق رقم (5) لسنة 2015
حيث تنص المادة (3/ثانياً) على حظر جميع أشكال التمييز ضد أي مكوّن من مكونات إقليم كوردستان – العراق، وتقرر معاقبة المخالف وفقاً للقوانين النافذة.
وهذه النصوص، وغيرها من التشريعات، تؤكد أن التحريض على الكراهية والعنف والدعوة إلى الاقتتال الطائفي والتمييز العنصري ، ليس مجرد سلوك مرفوض أخلاقياً واجتماعياً، بل هو أيضاً فعل تجرّمه القوانين وتترتب عليه مسؤولية قانونية.
ومع ذلك، فإن وجود هذه النصوص القانونية، على أهميتها، لا يعني بالضرورة أن المشكلة يمكن حلها بالقوانين والتشريعات . لأن القانون يستطيع أن يجرّم الفعل ويعاقب مرتكبه، لكنه لا يستطيع وحده أن يغيّر الأفكار التي تنتج خطاب الكراهية أو تمنع الإنسان من الانجرار وراء التحريض.
وهذا هو جوهر الموضوع بإعتقادي ، لأن القوانين تجرّم الفعل وتعاقب مرتكبيه ، الإ أن مواجهة هذا الفكر المتطرف يحتاج إلى مواجهته بخطاب ديني معتدل ومسؤول يدعو إلى الوعي والثقافة التي تحترم إنسانية الإنسان قبل إنتمائه .
لذلك ينبغي أن لا نفكر فقط في كيفية عقاب المحرضين على الكراهية ، بل أيضاً كيف نمنع إنتاج الكراهية من الأساس .
فالشخصيات الدينية ذات تأثير كبير ويجب عليها أن تتحمل مسؤوليتها في الدعوة إلى التسامح وقبول المختلف وحماية الإنسان ، لا أن يتحول الاختلاف إلى مبرر لنشر الكراهية والعنف ، وقد أثبت التاريخ أن الخطاب الديني في المجتمعات الشرق أوسطية يمكنه أن يكون أداة للتطرف ، أو وسيلة لإطفاء الفتن وحماية ارواح الناس .
إن هذه الأرض الكريمة هي مهد الأديان جميعاً وينبغي أن تكون الأديان وسيلة لتحقيق السلام ومنع التطرف وليست وقوداً للصراع بين المختلفين .
وقد خلق الله البشر سواسية، وجلّ جلاله ليس بحاجة إلى أن تكون الكراهية سبيلًا لإثبات حبّ المخلوق للخالق !
ندرك أن معركتنا الحقيقية ليست فقط ضد منشورات تظهر بين الفينة والأخرى، بل ضد هذا الفكر المتشدد الذي يسعى إلى إقصاء المختلف ورفض الآخر. لذلك، فإن الوعي الحقيقي يبدأ بمحاصرة هذا الفكر، ووأد الفكرة المتطرفة وهي لا تزال في مهدها، قبل أن تتحول إلى خطاب كراهية أو سلوك يهدد الأمن والسلم المجتمعي.
إن الأخلاق التي ينبغي أن يتحلّى بها كل من يمتلك منبرًا أو منصة، تقتضي أن يجعل رسالته دعوةً إلى الجمع لا الفرقة، وإلى المحبة لا الكراهية، وإلى الحوار لا الإقصاء؛ لأن حياة أي إنسان لا تقل قيمةً عن حياة الآخر المختلف عنه، ولأن الإنسانية تجمعنا ولا تفرّقنا