جريدة / ..
أثارت تصريحات محافظ بابل علي التركي، التي تناول فيها مناطق ذات غالبية سنية في المحافظة ووصفها بـ«مثلث الموت»، موجة من الاستياء والجدل، خصوصاً في ظل اعتراضه على المطالبات بإعادة النازحين إلى مناطقهم في جرف الصخر، وما رافق ذلك من مواقف اعتُبرت من قبل مراقبين عودة إلى خطاب الانقسام المجتمعي الذي يفترض أن تكون البلاد قد تجاوزته بعد سنوات طويلة من الصراع.
تصريحات التركي جاءت في سياق تعليقه على مواقف للشيخ عدنان الجنابي، الذي طالب بإعادة النازحين إلى مناطقهم، ومن بينها جرف الصخر، الأمر الذي دفع محافظ بابل إلى إبداء امتعاضه من هذه المطالبات.
ويرى محللون في تصريحات لـ”جريدة”، أن إعادة استخدام توصيفات مرتبطة بمرحلة العنف الطائفي، وفي مقدمتها مصطلح «مثلث الموت»، لا تنسجم مع متطلبات المرحلة الحالية، ولا مع الخطاب السياسي الذي يفترض أن يقوم على تعزيز التعايش وتهيئة الظروف أمام عودة النازحين إلى مناطقهم، بعيداً عن التصنيفات الطائفية أو الجغرافية.
صمت سياسي يثير التساؤلات!
وفي مقابل الجدل الذي أثارته التصريحات، يلفت مراقبون إلى غياب ردود سياسية واضحة من القوى والشخصيات السنية حتى الآن، سواء على المستوى النيابي أو السياسي، رغم حساسية القضية وارتباطها بملف النازحين والمهجرين وحقهم في العودة إلى مناطقهم الأصلية.
ويثير هذا الصمت تساؤلات بشأن أسباب عدم اتخاذ موقف سياسي واضح من تصريحات المحافظ، خصوصاً أن ملف جرف الصخر والعودة إليها يُعد من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين المكونات السياسية والاجتماعية في محافظة بابل.
ويرى متابعون أن غياب الرد لا يعني بالضرورة قبولاً بالمضمون، لكنه يعكس، في الوقت ذاته، حالة من الحذر السياسي في التعامل مع ملف شديد الحساسية، قد تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والاجتماعية.
بين الاعتبارات الأمنية والحقوق الإنسانية
ويؤكد محللون أن أي نقاش بشأن عودة النازحين ينبغي أن يستند إلى معايير أمنية وقانونية واضحة، لا إلى توصيفات تحمل أبعاداً طائفية أو تستحضر ذاكرة الصراع الأهلي.
فبعد مرور سنوات على موجات النزوح التي خلفتها الحرب على تنظيم داعش، ما يزال ملف العودة يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على معالجة آثار تلك المرحلة، وضمان حق المواطنين في العودة الآمنة إلى مناطقهم، مع مراعاة المتطلبات الأمنية والقانونية.
ويعتقد مراقبون أن استمرار الخطاب الذي يربط مناطق معينة بهوية طائفية أو بمرحلة «مثلث الموت» قد يؤدي إلى تعقيد ملف المصالحة المجتمعية، بدلاً من الدفع نحو حلول عملية تعالج أسباب النزوح وتضمن عودة السكان وفق القانون.
توقيت غير مناسب
ويذهب محللون إلى أن توقيت هذه التصريحات لا يبدو مناسباً، خصوصاً في ظل الحديث المتكرر عن ضرورة ترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي، وإغلاق الملفات التي خلفتها سنوات العنف والنزوح.
ويشير هؤلاء إلى أن الخطاب السياسي في هذه المرحلة يفترض أن يتجه نحو معالجة آثار الماضي، لا إعادة إنتاج مفرداته، وأن المسؤول التنفيذي، بحكم موقعه، مطالب بأن يكون جزءاً من عملية التهدئة المجتمعية وتعزيز الثقة بين أبناء المحافظة، بعيداً عن أي خطاب قد يُفهم منه تكريس الانقسام.
وبينما لا يزال الصمت السياسي السني قائماً تجاه تصريحات محافظ بابل، تبقى قضية جرف الصخر وعودة النازحين واحدة من الملفات التي تكشف حجم التعقيدات التي ما تزال تحيط بمرحلة ما بعد الحرب، وتضع السلطات المحلية والمركزية أمام مسؤولية إيجاد معالجة قانونية وأمنية وإنسانية تضمن حقوق السكان وتراعي في الوقت ذاته مقتضيات الأمن والاستقرار