كتب الدكتور رائد المالكي

الطبيعي في ظل الازمة المالية الحالية ان لا ينتظر ولا يتوقع الموظف ان تقدم الحكومة والبرلمان على تشريع قوانين تعطيه امتيازات مالية جديدة ، فافضل ما ينتظره ويتوقعه الموظف في هذه الظروف هو ان لا يمس وضعه خلال هذه المدة ويسلم على مركزه وراتبه، هذا هو الوضع الطبيعي:

ومن خلال قراءتنا لمسودة مقترح قانون ( الاجازة الطويلة ) لاحظنا ان جوهر المقترح هو انه يسمح للموظف بالحصول على اجازة طويلة مقابل راتبه الاسمي فقط ، ويمكن ان تحتسب له مدة الاجازة خدمة تقاعدية اذا دفع الاستقطاع التقاعدي كاملا.

وبتحليل قانوني واقتصادي لتأثيرات تطبيق هذا التشريع نجد انه سيؤدي الى الاتي :
١ – مردود مالي بسيط سيعود للدولة نتيجة عدم دفع المخصصات للموظفين الممنوحين اجازات طويلة لانه من غير المتوقع ان تقدم هذه الاجازات من اصحاب المخصصات العالية.

٢ – في الاقتصاد وطبقا لنظرية سلوك المستهلك يقال ان (المستهلك) ذو سلوك عقلاني رشيد ، بمعنى انه يبحث عن تحقيق اقصى اشباع ومنفعة … والموظف هنا سيتصرف بمنطق الرشد والعقلانية ، يعني انه سيحسبها جيدا ويتخذ القرار الذي ينفعه … فما الذي يحصل:
ان كل موظف ليس لديه مخصصات معتد بها ، وهذا الامر موجود في الوزرات ذات الرواتب القليلة سيفضل طلب الاجازة الطويلة ، لان من مصلحته ان يجلس في بيته وياخذ راتب اسمي بدلا من ان ينشغل بالدوام وياخذ نفس الراتب !!!!
هذه الحالة تشبه حالة موظف العقد الذي يستلم الان ٢٨٠ الف دينار يصرف نصفهم اجور نقل ، وصاحب الرعاية الذي يستلم ١٥٠ او ٢٠٠ الف وهو لا يؤدي عمل…

٣- ان وزارات مثل التربية بحاجة الى موظفيها، ستواجه ضغوط من طلبات منح الاجازة وستلجأ الى طلب التعيين الجديد اذا شرعت بمنح الاجازات خاصة للكادر النسوي. واذا حصل ذلك فان فرق المخصصات سيذهب الى سد الشاغر والتعيين الجديد في الوظيفة ، وسيزداد العبء بعد عودة الكادر المجاز .

٤- ان احكام الاجازة الطويلة بهذا الشكل ستنهي فكرة الاعارة واحكامها ، لان الموظف لن يطلب اعارة بعد الان وانما سيأخذ راتب اسمي من دائرته ويعمل في دائرة او قطاع اخر براتب ايضا.

٥- ان هذا المقترح يفتح منفذا قانونيا للازدواج الوظيفي ، لان الموظف ستبقى علاقته بدائرته وبمقابل مالي ، وسيتاح له العمل في القطاع الخاص ايضا ، وهذا الامر يتعارض مع توجه الحكومة _ ان كان هنالك توجه _ لايجاد فرص عمل للعاطلين وخاصة الخريجين.

٦- ان وظائف وتخصصات مهمة مثل الطب والتعليم العالي والتربية وبعض التخصصات مثل القانون والمالية ستشهد هجرة نحو القطاع الخاص ، وسيعمد القطاع الخاص الى استقبال الموظفين الاكفاء من هذه التخصصات ويفضلهم على الخريجين الجدد .. وهذا الامر سيغلق الباب امام العاطلين عن العمل فلا قطاع خاص يستقبلهم ولا دولة تقوم بتعيينهم …

طبعا هنا يأتي دور التعليمات التي يراد لها ان تقيد قرارات منح الاجازة الطويلة ، ولكن هذه القيود ان وجدت اما ان تجعلها حق شكلي اي لن يحصل احد على اجازة ، او تفتح باب الوساطات والاستثناءات وهذه ستربك الدوائر وتؤثر على عملها.

على اية حال كان ما تقدم تحليلا قانونيا اقتصاديا اوليا لتشريع مقترح القانون هذا ، ورأينا ان وجود مثل هذه الاجازة ضرورية لكن تطبيقها بشكل موسع وجعلها سياسة لتسريح الموظفين ستكون له تداعيات سلبية لذا لابد من دراسته دراسة دقيقة تعتمد على بيانات وارقام وخاصة من الناحية الادارية والاقتصادية ومن النواحي جميعها ، مع التأكيد على ان الحاجة لمنح مثل هذه الاجازة مراعاة لظروف بعض الموظفين امر مطلوب ولكن هذا امر ، واعتماد الاجازة كسياسة لتقليص الانفاق امر اخر يخضع للحسابات الاقتصادية