د. طالب محمد كريم

منذ سنوات، لم تكن العلاقات العراقية الأمريكية تقف عند حدود التعاون الأمني فقط، بل أصبحت اليوم أمام اختبار مختلف تفرضه تحولات الإقليم، وتبدلات موازين القوى، والبحث عن نظام اقتصادي وأمني جديد في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الزيدي إلى الولايات المتحدة، ولقاؤه المرتقب بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بوصفها فرصة سياسية قد لا تتكرر بسهولة إذا ما أُحسن استثمارها.

فالمنطقة خرجت من واحدة من أكثر المراحل اضطراباً منذ عقود. الحرب الأخيرة لم تترك آثارها على أطراف الصراع وحدها، بل امتدت إلى اقتصادات المنطقة كلها، وكان العراق من أكثر الدول تأثراً، سواء بسبب اضطراب أسواق الطاقة، أو التهديدات التي طالت الملاحة في الخليج، أو التداعيات التي رافقت إغلاق مضيق هرمز وما فرضه من تحديات على حركة التجارة والاستثمار.

وسط هذه البيئة المعقدة، جاء البيان المشترك بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي ليبعث برسالة سياسية لا تخلو من الأهمية، عندما أكد دعمه لجهود الحكومة العراقية في حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز سيادتها، وترسيخ الاستقرار الداخلي. وهذا الدعم لا ينبغي قراءته باعتباره تدخلاً في الشأن العراقي، بل باعتباره اعترافاً إقليمياً ودولياً بأن استقرار العراق أصبح مصلحة مشتركة للجميع.

ومن هنا، فإن نجاح الزيارة لا يقاس فقط بما يصدر عنها من بيانات، وإنما بقدرة العراق على الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الشريك الذي يمتلك رؤية واضحة لمستقبل الدولة.

ولعل أول الملفات التي ينبغي أن يحملها الرئيس الزيدي إلى واشنطن هو ملف حصر السلاح بيد الدولة، لأنه أصبح المدخل الطبيعي لأي مشروع اقتصادي أو استثماري. فلا يمكن لأي مستثمر أن يغامر بأمواله في بيئة أمنية غير مستقرة، كما لا يمكن لأي دولة أن تبني اقتصاداً قوياً بوجود مراكز متعددة لاستخدام القوة خارج المؤسسات الرسمية.

أما الملف الثاني، فهو استكمال بناء الدولة من الداخل، عبر استكمال الكابينة الحكومية، وتسريع الإصلاحات الإدارية، ومكافحة الفساد، وإرسال رسالة واضحة بأن العراق دخل مرحلة جديدة عنوانها الدولة الفاعلة لا الدولة المعطلة.

ويأتي الملف الثالث في تثبيت سياسة الحياد الإيجابي، وهي السياسة التي أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها الأكثر انسجاماً مع موقع العراق الجغرافي ومصالحه الوطنية. فالعراق لا يستطيع أن يكون جزءاً من محاور الصراع، لكنه يستطيع أن يكون مساحة للحوار والتعاون الاقتصادي بين الجميع.

أما الملف الرابع، فهو الاقتصاد والاستثمار. فالعراق اليوم لا يحتاج إلى قروض بقدر حاجته إلى شراكات طويلة الأمد، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وربط الاقتصاد العراقي بالمشاريع الإقليمية الكبرى في مجالات الطاقة، والبتروكيمياويات، والغاز، والنقل، والممرات التجارية، والتحول الرقمي.

إن ما يمنح هذه الزيارة أهميتها الاستثنائية هو أنها تأتي في لحظة يعاد فيها رسم التوازنات الإقليمية. وإذا نجح العراق في تقديم نفسه بوصفه دولة مستقرة، قادرة على حماية استثماراتها، وتحترم القانون، وتلتزم بسياسة خارجية متوازنة، فإنه يستطيع أن يتحول من ساحة لتقاطع المصالح إلى مركز لتلاقيها.

بعد اللقاء، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

السيناريو الأول، وهو الأكثر تفاؤلاً، أن يشهد العراق انطلاقة جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة، تتضمن دعماً اقتصادياً، واستثمارات واسعة، وتعاوناً في قطاع الطاقة، وتأييداً دولياً لخطة الحكومة في ترسيخ سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

أما السيناريو الثاني، فهو تحقيق تقدم تدريجي، يتمثل في تفاهمات سياسية واقتصادية دون نتائج كبيرة وفورية، مع استمرار العمل على الملفات الحساسة عبر لجان مشتركة، وهو السيناريو الأكثر واقعية إذا بقيت بعض القضايا الداخلية دون حسم.

في حين يبقى السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً، أن تظل الملفات الخلافية الداخلية تعرقل الاستفادة من الزخم الدولي، فتتحول الزيارة إلى نجاح بروتوكولي أكثر منها تحولاً استراتيجياً.

غير أن المؤكد هو أن العراق يمتلك اليوم فرصة حقيقية. فالتحولات التي تشهدها المنطقة، والدعم العربي والدولي لاستقرار العراق، وارتفاع الحاجة العالمية إلى أمن الطاقة، كلها عوامل يمكن تحويلها إلى مشروع وطني متكامل إذا توافرت الإرادة السياسية، وتسارعت خطوات بناء الدولة، وترجمت الوعود إلى إجراءات عملية.

فاللقاءات التاريخية لا تصنع التاريخ وحدها، وإنما تصنعه القرارات التي تليها. وإذا استطاع العراق أن يدخل هذه المرحلة بثقة، ويغلق ملفات السلاح خارج إطار الدولة، ويستكمل مؤسساته، ويؤسس لبيئة استثمارية مستقرة، فإن زيارة واشنطن قد تُسجل بوصفها بداية انتقال العراق من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص.