خاص|

في السياسة العراقية، كثيراً ما تتحول الاتهامات إلى حقائق راسخة في أذهان الناس قبل أن تصل إلى قاعات المحاكم. ومع مرور الوقت، تتبدل الروايات، ويكتشف الرأي العام أن بعض ما كان يُقدَّم بوصفه حقيقة قاطعة لم يكن سوى جزء من صراع سياسي أو إعلامي انتهى بصورة مختلفة تماماً.
هذا ما يحدث اليوم مع رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، الذي تعرض خلال سنوات ما بعد خروجه من السلطة لحملة غير مسبوقة، صُوِّر خلالها على أنه أحد أكبر المسؤولين عن الفساد في تاريخ العراق، وتكررت الاتهامات بحقه على ألسنة سياسيين وإعلاميين وناشطين، حتى ترسخت لدى شريحة واسعة من العراقيين باعتبارها حقائق لا تقبل الجدل، لكن السنوات اللاحقة حملت مشهداً مختلفاً.

فبعد سلسلة دعاوى قضائية رفعها الكاظمي ضد عدد من متهميه، انتهت المحاكم إلى إصدار أحكام لصالحه في أكثر من قضية، بعدما عجز مطلقو الاتهامات عن تقديم أدلة تثبت ما نسبوه إليه. والأكثر إثارة أن شخصيات إعلامية وسياسية كانت من أشد منتقديه خرجت لتعلن اعتذارها علناً، معترفة بأنها تعاملت مع اتهامات متداولة على أنها وقائع ثابتة من دون سند قانوني.
وهنا لا يتعلق الأمر بشخص مصطفى الكاظمي بقدر ما يتعلق بطريقة صناعة الرأي العام في العراق.
فالذين كانوا يهاجمونه بالأمس ويؤكدون للرأي العام أن فساده حقيقة لا تقبل النقاش، هم أنفسهم الذين يراجع بعضهم مواقفه اليوم ويقدم اعتذارات علنية بعد أن قال القضاء كلمته.

وهذا يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول المشهد الحالي، حيث يتعرض رئيس الوزراء محمد شياع السوداني منذ أشهر إلى حملات إعلامية وسياسية متصاعدة، بالتزامن مع استمرار حكومته في فتح ملفات فساد طالت مسؤولين كباراً وشخصيات نافذة.

ولا يعني هذا أن السوداني فوق النقد أو أن حكومته بمنأى عن المساءلة، كما لا يعني أن كل الاتهامات الموجهة إليه باطلة، لكن التجربة الأخيرة مع الكاظمي تفرض سؤالاً مشروعاً: هل من الحكمة تحويل الحملات الإعلامية الحالية إلى أحكام نهائية قبل أن يقول القضاء كلمته؟

فالذاكرة العراقية لا تزال تحتفظ بحملات كثيرة انتهت بخلاف ما كانت تروج له. بعض الشخصيات أُدينت فعلاً أمام القضاء، فيما خرج آخرون من دائرة الاتهام بعدما عجز خصومهم عن إثبات ما نسب إليهم. وهذا يعني أن الإعلام، مهما كان تأثيره، لا يمكن أن يكون بديلاً عن التحقيقات والأدلة والأحكام القضائية.

والمفارقة أن عدداً من المنصات الإعلامية والوجوه السياسية التي كانت تقود حملات شرسة ضد الكاظمي، هي نفسها التي تقود اليوم حملات مشابهة ضد السوداني وحكومته. وإذا كان بعض هؤلاء قد اعترف لاحقاً بخطئه في تقييم المرحلة السابقة، فمن حق الرأي العام أن يتساءل: ما الضمانة ألا تتكرر المراجعات والاعتذارات بعد سنوات أيضاً؟

إن مكافحة الفساد تبقى ضرورة وطنية لا خلاف عليها، ومحاسبة أي مسؤول يثبت تورطه يجب أن تكون بلا تردد، لكن العدالة لا تُبنى على الانطباعات ولا على الحملات الإعلامية، بل على الأدلة التي تصمد أمام القضاء.

ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه قضية الكاظمي اليوم هو أن الرأي العام ينبغي أن يتعامل بحذر مع الخطاب السياسي والإعلامي، وأن يترك للقضاء الفصل في الاتهامات، لأن التاريخ السياسي العراقي أثبت أكثر من مرة أن الروايات قد تتغير، وأن من يُدان في الإعلام قد يحصل لاحقاً على البراءة أمام القانون، فيما قد يثبت العكس في قضايا أخرى.
لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل الكاظمي كان محقاً أم مخطئاً؟ ولا: هل السوداني مصيب أم مخطئ؟ بل سؤال أكثر أهمية: هل نتعلم من تجاربنا، أم سنواصل إصدار الأحكام على الأشخاص قبل أن تصدرها المحاكم، لنعود بعد سنوات إلى موجة جديدة من الاعتذارات والمراجعات؟