بقلم احمد الشيخ ماجد

‏لعلّ واحدة من أذكى الخطوات التي أقدم عليها “الإطار التنسيقي” هي تحييد وسائل الخطاب التي يفترض أن تكون نقدية في العراق. لا أريد أن أقول “النخب”، لأن المصطلح لا ينطبق بشكل حرفي وعلمي على الجماعات التي تعمل في الفضاء العراقي العام، لكن لا مشكلة في أن أورده هنا كما يُستعمل في الواقع.

‏هل كان الأمر ذكاءً فعلاً من قبل الإطار أم هو استعداد من قبل هذه “النخب” للانخراط تماماً في التواطؤ مع ما يجري؟

‏للأمر أسباب مركبة، بعيدة وقريبة، وترتبط بتقلبات قاسية لبلاد ينظر الجميع فيها إلى تدفق نهر النفط، عسى أن تصلهم قطرة منه.

‏في كتابه الشهير “خيانة المثقفين”، صاغ الفرنسي جوليان بيندا مفهوم سقوط النخبة حين تتخلى عن قيمها مقابل المكاسب. يبدأ المأزق ـ وفق بيندا ـ عندما تتوقف “النخبة” عن خدمة الحقيقة والعدل، لصالح خدمة المصالح السياسية. إنها خيانة لدورهم التاريخي عندما يفضّلون المزايا والمناصب التي تمنحها السلطة على استقلالهم الذهني ورؤيتهم النقدية.

‏تقرأ يومياً الكثير، وتشاهد التلفاز، وتتابع الجلسات الاحتفائية، مؤتمرات ومنتديات وعناوين مخيفة، ولا شيء تقريباً “مزعج” أو حقيقي على الأقل أو يشكل مقدمة لطرح أسئلة جوهرية، وهذا هو “الجبن”. أقول إن الإطار التنسيقي حوّل معيار نجاح هذه “النخب” من “تغيير الواقع” والدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية، إلى الحفاظ على رفاهيات هي ليست رفاهيات بمعنى الكلمة، وإنما فتات بسيط ينظر له المتحكمون كصدقة.

‏لماذا أقول إنه جبن وليس خوفاً؟

‏لا يطلب منك صديقك السياسي وحميمك الإطاري أن تسلّمه كل مفاتيح ذهنك لهذه الدرجة. إنه يحتاجها في إعادة إنتاج خطابه ومنحه الرصانة العلمية والمشروعية. لا يقبل أن تسلّم له كل شيء على الطريقة التي ترونها من قبل الذين تشاهدونهم في الفضاء العام.

‏أستمع مثلاً إلى ساعات تلفزيونية طويلة، وحين تنتهي أسأل: ما الذي كان يريده المتحدث أو ما الذي قاله؟ لا شيء تقريباً من الذي لا بد أن يسمعه الناس.

‏الخوف ليس عيباً وهو الاستجابة الواقعية لكل الأحداث في العراق، لكن الجبن السياسي هو قرار النخبة باختيار “عدم الفاعلية” وتبرير الانسحاب، وتحويل “الحفاظ على المكاسب” بوصفه أعلى قيمة أخلاقية. أتحدث هنا عن “المكاسب” وليس السلامة الشخصية وهي حق أساسي.

‏النخبة الجبانة لا تعترف أنها جبانة، بل تتستر وراء حجج “العقلانية”، واللغة الخشبية، و”انتظار اللحظة المناسبة”، أو “تجنب الصدام”، أو “احترام الدستور”، أو عدم الاقتراب من “الرموز”، أو “الآداب العامة”، أو “المربع الأول”، وكلّها أقنعة للجبن.

‏يتواصل قادة الإطار التنسيقي مع الكثير من داخل هذه “النخب”: أكاديميون، ومثقفون، وصحفيون، ومدونون، ومراكز حقوقية وبحثية. يجلسون ويتهامسون سراً على صياغة الحالة العراقية بهذا الاستنزاف البليد. لا شيء تقريباً يظهر يستحق النقاش، لا شيء يستحق الوقوف أو الاهتمام.
‏وما هو الاستنزاف؟ هو تحويل الفعل المنتج إلى شعارات مبهرة وأكاذيب نرددها يومياً بلا نتيجة ملموسة.

‏في دفاتر سجنه، كان غرامشي يرى أن السلطة لا تستند إلى القوة الفيزيائية فقط، بل إلى الهيمنة الثقافية، وواحدة من أنفع وسائل هذه الهيمنة هي استيعاب النخب وتحويلهم من “مثقفين عضويين” ينتمون لقضايا مجتمعاتهم، إلى “موظفين” يعملون لحساب الطبقة الحاكمة مقابل الامتيازات والمكانة.
‏ينتظرون الرواتب، ينتظرون الاحتفاء، يريدون أن يشاركوا في حفلة الوجاهة والاستعراض العراقي، وهي حفلة تصوغها أموال الفساد وسوء التوزيع وغياب العدالة، لكنهم لا يشعرون، لأن السلطة عندنا من أقوى دوافع انعدام الإحساس، سواء بالناس أو باحترام الذات.

‏هل قرأتم مسرحية “حياة غاليليو”؟ في أحد المشاهد، وبعد أن تراجع غاليلو عن أفكاره خوفاً من التعذيب، قال التلميذ أندريا: “تعس لبلد ليس فيه أبطال!”
‏غاليليو: “لا.. بل تعس لبلد يحتاج إلى أبطال”.
‏حتى الأبطال، لم نعد بحاجة لهم، نحتاج إلى من يحترمون أنفسهم وحسب. ليس هذا العراق الذي نعرف!