هل يملك العراق صندوقاً سياديا؟ً

بقلم:

أ. د. علاء عبد الحسين الساعدي

قد يبدو هذا السؤال غريباً للوهلة الأولى، بل ر بما مستفزاً بعض الشيء: هل يملك العراق صندوقاً سياديا؟ً

والإجابة السريعة التي يعرفها أغلب المتابعين هي: لا، فالعراق لم ينجح حتى الآن في تأسيس صندوق سيادي استثماري واضح المعالم، على الرغم من أن هذه الفكرة طُرحت أكثر من مرة، وحاولت حكومات مختلفة تبنيها أو التمهيد لها، إلا أن تلك المحاولات تعثرت أو توقفت لأسباب سياسية أو إدارية أو اقتصادية.

لكن المفارقة تبدأ عندما نقول إن العراق، من حيث الواقع الاقتصادي لا من حيث الشكل القانوني، يملك ما يشبه الصندوق السيادي، بل يمتلك أصولاً كبيرة ومتنوعة يمكن أن تشكل نواة مهمة لصندوق استثماري وطني رصين، لو أحسن تنظيمها وإدارتها وتقييمها وفق رؤية اقتصادية حديثة.

وهنا يبرز السؤال الأهم: أين يوجد هذا الصندوق؟ من يديره؟ كيف تدار أصوله؟ ما حجم إيراداته؟ أين تذهب هذه الإيرادات؟ وهل تعود فعلاً إلى الخزينة العامة أم تتوزع داخل منظومات إدارية وقطاعية متعددة؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلية، بل هي في صلب النقاش حول مستقبل الاقتصاد العراقي وإدارة الثروة الوطنية .

وقبل الدخول في هذه الفكرة، من الضروري أن نوضح أولاً معنى الصندوق السيادي الاستثماري .

الصندوق السيادي هو صندوق تملكه الدولة، تضع فيه جزءاً  من أموالها الفائضة أو مواردها العامة، ثم تقوم باستثمارها داخل البلد أو خارجه بهدف تنمية الثروة الوطنية، وتحقيق عوائد مستدامة، وحماية حقوق الأجيال القادمة. وغالباً ما تنشأ هذه الصناديق في الدول التي تمتلك موارد طبيعية كبيرة، وفي مقدمتها النفط والغاز، حيث ي تم تخصيص جزء من الإيرادات ليتحول من مال مستهلك في الموازنة السنوية إلى أصل استثماري طويل الأجل .

وبعبارة أبسط، يمكن تشبيه الصندوق السيادي بمحفظة استثمارية كبرى تملكها الدولة، وتستثمر من خلالها في الأسهم والسندات والعقارات والشركات والمشاريع الاستراتيجية، بدلا ً من إنفاق جميع الإيرادات في الموازنة التشغيلية أو ترك الأموال دون توظيف حقيقي.

وعادةً ما تسعى الصناديق السيادية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الأساسية، من أبرزها: حفظجزء من الثروة للأجيال القادمة، ولا سيما في الدول النفطية التي تعتمد على مورد قابل للنضوب؛ وتحقيق عوائد مالية طويلة الأجل؛ وتنويع مصادر الدخل الوطني حتى لا يبقى الاقتصاد أسيراً لمورد واحد؛ ودعم الاستقرار المالي عند انخفاض أسعار النفط أو حدوث الأزمات الاقتصادية؛ إضافة إلى تمويل مشاريع استراتيجية في قطاعات التنمية المختلفة.

ومن هنا يمكننا العودة إلى الحالة العراقية.

فعند مراجعة التاريخ السياسي والاقتصادي للعراق خلال قرن تقريباً، أي منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، نجد أن البلد مر بتحولات عميقة ومتلاحقة تركت أثراً كبيراً في بنية الاقتصاد وطبيعة دور الدولة فيه. فقد اتجه الاقتصاد العراقي، بصورة متزايدة، نحو المركزية والشمولية، ولا سيما مع تصاعد الموارد النفطية منذ خمسينيات القرن الماضي. وبمرور الوقت أصبحت الدولة اللاعب الأكبر في النشاط الاقتصادي، فهي التي تملك وتدير وتمول وتنتج وتوظف وتستثمر.

ولعل من أبرز التحولات في هذا المسار تأميم المصارف الأهلية في ستينيات القرن الماضي، وهو إجراء لم يكن مجرد قرار مصرفي أو مالي، بل كان جزءاً من تحول أوسع في فلسفة إدارة الاقتصاد.  فقد انتقلت الدولة تدريجياً إلى السيطرة على معظم عناصر الإنتاج والفعاليات الاقتصادية، وتحولت قطاعات واسعة إلى شركات ومؤسسات حكومية.

وبذلك نشأت في العراق ثقافة اقتصادية خاصة، مفادها أن الأنشطة الأساسية ينبغي أن تكون مملوكة ومدارة من قبل الدولة. ومع الزمن لم تعد هذه النظرة مجرد خيار اقتصادي، بل أصبحت جزءاً من الوعي الإداري والمؤسسي للدولة.

هذه الأصول الواسعة لم تكن صغ يرة أو هامشية، بل كانت تمثل ثروة عامة ضخمة. غير أن طريقة إدارتها لم تكن على شكل صندوق وطني موحد أو محفظة استثمارية مركزية، وإنما جرى ربطها وظيفياً بالوزارات والجهات التي تعمل ضمن قطاعاتها. وهنا تكمن الفكرة الجوهرية: إن العراق لم يؤسس صندوقاً سيادياً باسمه المعروف، لكنه وزع أصوله السيادية على الوزارات والشركات العامة. وبدلاً من أن تدار هذه الأصول كمنظومة استثمارية وطنية موحدة، أصبحت تدار داخل وحدات إدارية قطاعية، لكل منها قوانينها وأنظمتها وأساليبها وحوافزها ومصالحها.

ثم جاءت مرحلة التسعينيات، وهي من أكثر المراحل تأثيراً في بنية الاقتصاد العراقي. فقد أدى الحصار الاقتصادي الذي فرُض على العراق بعد غزو الكويت إلى ظروف معيشية واقتصادية قاسية، تراجعت فيها قيمة العملة، وتدنت الرواتب، وفقدت الوظيفة العامة الكثير من جاذبيتها الاقتصادية. وأمام هذا الواقع، بدأ كثير من الموظفين ينظرون إلى العمل الحكومي لا بوصفه وظيفة مستقرة فقط، بل بوصفه مجالاً للبحث عن موارد إضافية تعوض ضعف الراتب.

وقد انعكس هذا التحول في قانون الشركات العامة رقم 22 لسنة 1997، إذ أشار القانون في مادتهالتاسعة إلى أن رأس مال الشركة العامة يدفع من الخزينة المركزية للدولة، في حين أجازت المادة الحادية عشرة إشراك العاملين في توزيع الأرباح وفق نسب معينة. وهذا يعني، من الناحية العملية، أن الموظف في الشركة العامة يتقاضى راتبه باعتباره جزءاً من تكاليف العمل، وفي الوقت نفسه يحصل على حصة من الأرباح، وكأنه شريك في هذه الشركة أو المصنع، رغم أنه لا يملك حصة رأسمالية حقيقية فيه.

ومن هذه النقطة بدأت تتشكل منظومة واسعة من الحوافز والإيرادات الخاصة داخل مؤسسات الدولة. فالوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة سعت، كل بحسب طبيعة نشاطها، إلى تشريع أو اعتماد أنظمة تمنح العاملين فيها حصصاً أو مكافآت أو حوافز من الإيرادات المتحققة. وهكذا تحولت بعض الإيرادات العامة، أو جزء منها، إلى موارد موزعة داخل وحدات إدارية معينة، بدلاً من أن تدخل جميعها في إطار رؤية وطنية شاملة لإدارة الثروة العامة .

غير أن طرح هذه الفكرة لا ينبغي أن يفهم على أنه  دعوة إلى إلغاء الملكية العامة أو التفريط بأصول الدولة أو التعامل معها بمنطق الخصخصة المتعجلة. فالموضوع أعمق من ذلك بكثير. إن جوهر الفكرة هو الانتقال من الإدارة التقليدية المتفرقة للأصول العامة إلى إدارة مؤسسية رشيدة تقوم على الحوكمة والشفافية وتقييم الأداء وقياس العائد الاقتصادي والاجتماعي.

فالمال العام،  عندما يكون مبعثراً بين وحدات إدارية متعددة،  قد يفقد جزءاً مهماً من قوته الاستثمارية. أما عندما يخضع لإطار وطني واضح، ويدُار وفق قواعد مهنية، ويفُصح عن نتائجه، وتقُاس عوائده، وتحُدد مسؤوليات إدارته، فإنه يتحول من مجرد موجودات مملوكة للدولة إلى ثروة وطنية منتجة. وهذا هو الفرق بين امتلاك الأصول وبين إدارتها بعقلية استثمارية.

إن الحوكمة هنا ليست ترفاً إدارياً ولا شعاراً إصلاحياً عاماً، بل هي الشرط الأول لأي تحول حقيقي. فهي تعني وجود قواعد واضحة لمن يدير، ومن يراقب، ومن يقيم، ومن ينتفع، وكيف تظهر النتائج أمام الدولة والمجتمع. وتعني كذلك الفصل بين الإدارة اليومية للأصول وبين القرار السياسي المباشر، بحيث تدار الثروة العامة بمنطق الكفاءة والاستدامة لا بمنطق الظرف الآني أو الحاجة المالية المؤقتة.

ومن هنا فإن العراق لا  يحتاج فقط إلى صندوق سيادي جديد يضاف إلى قائمة المؤسسات، بل يحتاج قبل ذلك إلى عقلية جديدة في إدارة أصوله العامة. يحتاج إلى جرد وطني شامل لهذه الأصول، وتقييم اقتصادي حقيقي لها، وتصنيفها بحسب طبيعتها وجدواها، ثم وضع إطار مؤسسي قادر على تحويلها إلى محفظة وط نية منتجة، تحفظ حق الدولة، وتحمي المال العام، وتفتح طريقاً أكثر رشداً للأجيال القادمة.

إن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يملك العراق صندوقاً سياديا؟ً بل: لماذا لا يحول العراق أصولهالعامة القائمة إلى قاعدة لصندوق سيادي فعلي، واضح، شفاف، وخاضع لإدارة مهنية مستقلة؟

إن العراق لا يبدأ من الفراغ. فهو يملك الثروة، ويملك الأصول، ويملك تجربة طويلة في الملكية العامة، لكنه يحتاج إلى أن ينتقل من عقلية الإدارة المجزأة إلى عقلية إدارة الثروة الوطنية. وهذه النقلة ليست مسألة فنية فقط، بل هي قرار إصلاحي كبير يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمال العام والمستقبل.

قد يكون أخطر ما في الأمر أن العراق ظل لعقود طويلة ينظر إلى أصوله العامة بوصفها مؤسسات تابعة لهذه الجهة أو تلك، لا بوصفها ثروة وطنية موحدة. وإذا استمر هذا النظر المجزأ، ستبقى هذه الأصول موزعة بين الإدارات، محكومة بمنطق التشغيل اليومي، وقد لا تؤدي دورها الكامل في بناء اقتصاد مستقر ومنتج.

أما إذا توفرت الإرادة والرؤية والحوكمة، فإن ما يبدو اليوم شركات وأصولاً متفرقة يمكن أن يتحول غداً إلى أحد أهم أدوات الإصلاح الاقتصادي في العراق. فالصندوق السيادي الحقيقي لا يبدأ دائماً من إيداع مالي جديد، بل قد يبدأ من إعادة اكتشاف الثروة القائمة، وتنظيمها، وحمايتها، وإدارتها بعقل وطني طويل الأمد.

ولهذا فإن العراق، في جوهر الأمر، لا يفتقر إلى الثروة بقدر ما يفتقر إلى الإطار الذي يحسن إدارتها. ولا يفتقر إلى الأصول بقدر ما يحتاج إلى رؤية تحول هذه الأصول من ملكية ساكنة إلى قوة اقتصادية فاعلة. ومن هنا تبدأ الفكرة: ليس المطلوب أن نبحث فقط عن صندوق سيادي لم يولد بعد، بل أن نرى الصندوق السيادي الكامن داخل الدولة العراقية، ثم نمتلك الشجاعة الكافية لتنظيمه وإدارته باسم الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار