بقلم – سعد الشديدي

لم تكن احتجاجات تشرين 2019 مجرد موجة غضب في عراق ما بعد 2003. أهميتها أنها غيّرت السؤال الذي يوجّهه قطاع من العراقيين إلى الدولة والنظام السياسي.
قام النظام الجديد على فكرة تمثيل المكونات: الشيعة والسنة والكرد حاضرون في السلطة، وبالتالي تبدو الجماعات الأساسية ممثلة في الدولة. لكن المشكلة بدأت عندما أصبح تمثيل الجماعات بديلًا عن السؤال عن أداء الدولة.
في تشرين لم يعد السؤال: من أي طائفة الوزير؟ بل: لماذا لا تعمل الوزارة؟ ولم يعد انتماء السياسي إلى طائفة المواطن دليلًا كافيًا على أنه يمثله. فالانتماء شيء، والتمثيل شيء آخر، والقدرة على إدارة الدولة شيء ثالث.
نشأ كثير من شباب تشرين في ظل النظام الذي قام بعد 2003، من دون أن يشاركوا في تأسيسه أو في الصراعات التي رافقت ولادته. لقد ورثوا هذا النظام، لكنهم لم يصنعوه، ولم يوقّعوا على صكّ شرعيته. لذلك حاكموه بما أنتجه في حياتهم: العمل والخدمات والفساد وقدرة المؤسسات على أداء وظائفها.
فالشرعية التاريخية لها عمر. لا يكفي أن تشرح الدولة للجيل الجديد لماذا كانت شرعية عند ولادتها؛ عليها أن تعطيه سببًا لكي يراها شرعية في زمنه.
لكن تشرين لم تكن مشروع حكم متكاملًا. استطاعت جمع قطاعات واسعة حول رفض الفساد والمحاصصة وضعف الدولة والنفوذ المسلح، لكنها لم تنتج بديلًا سياسيًا يوازي حجم الاحتجاج. فالاتفاق على ما نرفضه أسهل من الاتفاق على كيفية الحكم.
لهذا لم تؤسس تشرين شرعية بديلة، لكنها كشفت حدود الشرعية القائمة.
وهنا يكتسب تصريح هادي العامري الأخير دلالة خاصة، حين نسب إلى ما سماه «المقاومة» دورًا في الوقوف أمام «فتنة تشرين» وحماية «الدولة والنظام السياسي».
التصريح لا يثبت وحده مسؤولية جهة بعينها عن قتل المتظاهرين، لكنه يطرح سؤالًا سياسيًا يصعب تجاهله: من يملك حق تحديد متى يصبح احتجاج المواطنين خروجًا على الدولة والقانون؟
فالدولة والنظام السياسي ليسا شيئًا واحدًا. حماية الدولة من الانهيار شيء، وحماية نظام سياسي من المطالبة بإصلاحه أو تغييره شيء آخر.
ربما لهذا ما زالت تشرين حاضرة بعد سبع سنوات. لقد طرحت سؤالًا لم يُحسم بعد: هل تكفي دولة المكونات لإنتاج الشرعية، أم يحتاج العراق إلى دولة تصبح فيها المواطنة والأداء والمساءلة مصادر للشرعية؟
فتشرين قالت إن المواطن يستطيع أن يرفض المرور إلى الدولة عبر الطائفة والحزب والزعيم.
لكن قول «لا» وحده لا يبني بديلًا للدولة.