جريدة /..

يتجه ملف حصر السلاح بيد الدولة إلى مرحلة أكثر وضوحاً في ظل تأكيد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي أن معالجة هذا الملف لن تقوم على الصدام أو المواجهة العسكرية، بل عبر الحوار والإجراءات القانونية والمؤسساتية. وبينما يرى البعض أن اعتماد الحوار قد يمثل تراجعاً أو ضعفاً حكومياً، فإن القراءة السياسية لهذا المسار تضعه في إطار مختلف، يتعلق بمحاولة بناء الدولة بأقل كلفة ممكنة وتجنب انزلاق العراق إلى مواجهة داخلية.

ويقول الأكاديمي والباحث السياسي طالب محمد إن موقف رئيس الوزراء أصبح أوضح من مجرد خطاب سياسي، مقارنة بما شهدته الحكومات السابقة، مشيراً إلى أن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة، مع اعتماد الحوار والآليات القانونية والمؤسساتية، لا يعني الضعف، بل يمثل نقطة قوة في إدارة ملف شديد الحساسية.

ويضيف في حديثه لـ”جريدة”، أن الفصائل المسلحة جزء من المشهد الاجتماعي والسياسي الذي تشكل بعد عام 2003، ولها حضور في الذاكرة العراقية، فضلاً عن أدوارها التي ارتبطت بمواجهة الاحتلال والتنظيمات الإرهابية والدفاع عن الدولة، وبالتالي فإن الذهاب مباشرة إلى الصدام معها سيحوّل قضية بناء الدولة إلى مواجهة مسلحة، وهو ما قد يفتح الباب أمام تداعيات أكبر من مجرد ملف السلاح.

ويشير محمد إلى أن رئيس الوزراء لا يتحدث بصفته الشخصية، وإنما يمثل مؤسسة الدولة التنفيذية، بما تمتلكه من صلاحيات دستورية وأدوات قانونية ومالية وعلاقات خارجية وقطاعات أمنية وخدمية، ولذلك فإن تقييم جدية الحكومة لا ينبغي أن يرتبط بطريقة إلقاء الخطاب أو لغة الجسد، وإنما بقدرتها على تحويل القرار السياسي إلى إجراءات مؤسسية قابلة للتنفيذ.

ويلفت إلى أن الحكومة اتخذت، خلال الفترة الماضية، خطوات متراكمة في هذا الاتجاه، من بينها تشكيل لجان مختصة بملف حصر السلاح، والعمل على إعداد مشروع قانون وإنشاء قاعدة بيانات للسلاح، فضلاً عن تحديد الثلاثين من أيلول موعداً نهائياً ضمن المسار الحكومي.

وبحسب محمد، فإن اختبار قوة رئيس الوزراء لا يكمن في لهجة التصريحات، وإنما في سؤال أكثر أهمية: هل تستطيع الحكومة تحويل القرار السياسي إلى إجراء مؤسسي ينطبق على الجميع بلا استثناء؟

ويرى أن مسار حصر السلاح قد يمر بثلاث مراحل رئيسية؛ تبدأ بالتفاوض وترتيب الآليات بين الحكومة والأطراف المعنية، ثم الانتقال من الحوار السياسي إلى إجراءات قانونية وإدارية تحدد طبيعة السلاح وآليات تسليمه أو تنظيمه، ومن يتولى التنفيذ، وصولاً إلى مرحلة اختبار الالتزام بعد انتهاء المهل الزمنية المحددة.

ويؤكد أن المرحلة الأخيرة ستكون لحظة الحسم، فإذا التزمت الفصائل بالمسار الحكومي، فإن العراق سيكون أمام تحول كبير بأقل كلفة ممكنة، أما في حال رفض بعض الأطراف، فستواجه الحكومة اختباراً حقيقياً يتعلق بقدرتها على فرض سيادة القانون، وليس مجرد إدارة خلاف سياسي.

ويشدد الباحث السياسي على أن المواجهة الحقيقية ليست بين رئيس الوزراء والفصائل، بل بين منطق الدولة ومنطق السلاح الموازي للدولة، موضحاً أن المشروع الحكومي، في جوهره، لا يستهدف فصيلاً بعينه، وإنما يسعى إلى تنظيم السلاح وتقنينه وتطبيق أحكام الدستور التي تؤكد حصر القوة المسلحة بيد الدولة.

ويخلص طالب محمد إلى أن النجاح الحقيقي في هذا الملف لن يقاس بعدد الأسلحة التي تُسلّم أو الفصائل التي تستجيب، وإنما بقدرة الدولة على فرض سلطتها من دون إدخال العراق في صدام داخلي، لأن الهدف النهائي من حصر السلاح هو بناء دولة أقوى، لا فتح مواجهة جديدة داخلها.