تقرير – جريدة | ..

شكّل الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، وأعاد رسم المشهدين السياسي والأمني، وسط انقسام واضح بين القوى العراقية بشأن طبيعة التعامل مع الوجود الأميركي. ففي الوقت الذي اختارت فيه غالبية القوى السياسية الانخراط في العملية السياسية التي تشكلت تحت سلطة الاحتلال، برز التيار الصدري كأحد أبرز الأطراف الشيعية التي اختارت المواجهة المسلحة، عبر تشكيل جيش المهدي بقيادة مقتدى الصدر.

وفي قراءة سياسية لمسار تلك المرحلة ومقارنتها بالمشهد الراهن، قال قيادي سياسي رفض الكشف عن اسمه إن الفارق بين تجربة جيش المهدي والفصائل المسلحة التي تشكلت لاحقاً لا يرتبط فقط بتطور الأحداث، وإنما أيضاً بتبدل البيئة السياسية والأمنية وطبيعة العلاقة مع القوى الإقليمية.

جيش المهدي.. مواجهة الاحتلال بقرار عراقي

يقول القيادي السياسي إن الاحتلال الأميركي عام 2003 كان احتلالاً عسكرياً واضحاً، وجاء خارج قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مشيراً إلى أن التيار الصدري كان من أوائل القوى الشيعية التي اختارت مقاومة القوات الأميركية عسكرياً.

وأوضح أن جيش المهدي تشكل في بدايات عام 2004 بقيادة مقتدى الصدر، وانتشر نشاطه في عدد من المحافظات العراقية، في وقت كانت فيه معظم القوى السياسية الشيعية الفاعلة آنذاك ترفض خيار المقاومة المسلحة، وتفضل العمل السياسي والتفاوض مع سلطة الاحتلال والمشاركة في تأسيس النظام السياسي الجديد.

وبحسب القيادي، فإن القوى السياسية التي عادت إلى العراق بعد عام 2003، ومنها المجلس الأعلى ومنظمة بدر وحزب الدعوة، كانت قد أمضت سنوات طويلة في المعارضة خارج البلاد، بينما كان الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني يمتلكان وجوداً سياسياً وأمنياً في إقليم كردستان منذ تسعينيات القرن الماضي.

ويرى أن هذا الاختلاف في ظروف نشأة القوى السياسية انعكس على طريقة تعاملها مع الاحتلال؛ إذ اتجهت غالبية القوى العائدة من الخارج إلى المشاركة في بناء مؤسسات الدولة الجديدة، بينما اختار التيار الصدري المواجهة المسلحة.

رفض سياسي لجيش المهدي

ويشير القيادي إلى أن جيش المهدي لم يحظَ في تلك المرحلة بالدعم السياسي الذي تحصل عليه بعض الفصائل المسلحة في الوقت الراهن، بل واجه رفضاً من قوى سياسية شيعية عديدة.

ويضيف أن المواجهة لم تكن مع القوات الأميركية وحدها، إذ واجهت الحكومة العراقية آنذاك تشكيلات جيش المهدي بالتعاون مع القوات الأميركية، خصوصاً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2004 و2007.

ويرى أن هذه النقطة تمثل أحد أبرز الفوارق بين تلك المرحلة والمرحلة الحالية، إذ كان السلاح خارج الدولة آنذاك يواجه موقفاً حكومياً وسياسياً معارضاً، بينما أصبح عدد من الفصائل المسلحة لاحقاً جزءاً من منظومة سياسية وأمنية لها حضور داخل مؤسسات الدولة والعملية السياسية.

الانشقاقات.. ولادة فصائل جديدة

ويذكر القيادي أن السنوات التي أعقبت عام 2008 شهدت انشقاقات واسعة داخل جيش المهدي، أدت إلى ظهور تشكيلات مسلحة جديدة، من بينها عصائب أهل الحق وكتائب وفصائل أخرى، قبل أن تتوسع خارطة الفصائل المسلحة لاحقاً.

ويعتبر أن هذه الانشقاقات ساهمت في إعادة تشكيل البيئة المسلحة الشيعية، بحيث أصبحت بعض التشكيلات الجديدة تمتلك هياكل وتنظيماً وعلاقات سياسية وإقليمية مستقلة عن التيار الصدري.

ومع مرور الوقت، دخل جزء من هذه القوى إلى العملية السياسية، في حين حافظت فصائل أخرى على حضورها العسكري، لتصبح لاحقاً جزءاً من منظومة أوسع تُعرف بمحور المقاومة.

التيار الصدري خارج محور المقاومة

وبحسب القيادي السياسي، فإن التيار الصدري لم ينضم إلى محور المقاومة بصيغته الإقليمية، رغم أن مقتدى الصدر دعا في مرحلة لاحقة إلى تشكيل مقاومة إقليمية موحدة عقب عملية اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.

إلا أن القيادي يرى أن جوهر الخلاف بين التيار الصدري والفصائل المرتبطة بمحور المقاومة يكمن في مرجعية القرار؛ فالتيار الصدري، بحسب قراءته، يريد مقاومة ذات قرار وطني عراقي مستقل، في حين تنظر الفصائل الأخرى إلى نفسها باعتبارها جزءاً من محور إقليمي أوسع تقوده إيران.

بعد 2011.. العراق يدخل مرحلة مختلفة

ويؤكد القيادي أن المقارنة بين مرحلة 2003 ـ 2007 والمرحلة الراهنة يجب أن تأخذ في الاعتبار التحولات التي طرأت على الوجود الأميركي في العراق.

فبعد عام 2011، انسحبت القوات الأميركية القتالية من العراق، ودخل البلدان في إطار تعاون استراتيجي، قبل أن تعود قوات التحالف الدولي لاحقاً إلى العراق بناءً على طلب الحكومة العراقية للمساعدة في مواجهة تنظيم داعش.

ويشير إلى أن التيار الصدري لم يكن طرفاً في اتفاقية التعاون الاستراتيجي، كما رفض وجود قوات التحالف الدولي لمحاربة داعش، معتبراً أن الموقف الصدري تجاه الوجود العسكري الأميركي ظل ثابتاً من حيث المبدأ.

«مفارقة السلاح» بين الأمس واليوم

ويرى القيادي أن المفارقة الأساسية في المشهد الحالي تتمثل في أن العراق الذي شهد خلال السنوات الأولى بعد 2003 وجوداً عسكرياً أميركياً مباشراً، من دبابات وأرتال وقواعد عسكرية، كان يشهد في المقابل رفضاً سياسياً واسعاً لجيش المهدي وسلاحه من جانب القوى السياسية الشيعية.

أما اليوم، بحسب القيادي، فإن طبيعة الوجود الأميركي مختلفة عن مرحلة الاحتلال الأولى، كما أن الوجود العسكري الأجنبي جاء في مراحل لاحقة ضمن ترتيبات مع الحكومة العراقية وفي سياق الحرب على تنظيم داعش.

ومن هنا يطرح القيادي تساؤلاً بشأن استمرار بعض الفصائل في اعتبار السلاح خارج الدولة «خطاً أحمر»، رغم تغير البيئة السياسية والأمنية التي نشأ فيها هذا السلاح.

من مقاومة الاحتلال إلى صراع على مرجعية القرار

ويقول القيادي إن التطورات اللاحقة، بما فيها مواقف بعض القوى من الاحتجاجات ضد السفارة الأميركية والهجمات التي استهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي، تكشف ـ بحسب تقديره ـ عن تفاوت واضح في طبيعة ردود الفعل السياسية والعسكرية.

ويعتبر أن هذه المواقف تفتح نقاشاً أوسع حول استقلالية القرار العراقي، وما إذا كان قرار استخدام السلاح والحرب والسلم يصدر من مؤسسات الدولة العراقية، أم يتأثر بتحالفات ومحاور إقليمية.

ويختم القيادي السياسي بالقول إن الفارق بين جيش المهدي والفصائل المسلحة التي ظهرت وانقسمت عنه لاحقاً لا يمكن اختزاله في مسألة السلاح وحدها، بل يتعلق بالمرجعية السياسية لهذا السلاح وطبيعة علاقته بالدولة.

ففي مرحلة الاحتلال، كانت المواجهة مع القوات الأميركية تجري في ظل وجود عسكري مباشر وواسع، بينما بات الجدل اليوم يدور حول سلاح فصائل تمتلك حضوراً سياسياً وأمنياً داخل الدولة، وتربط جزءاً من نشاطها بمشروع إقليمي أوسع.

وبذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في المشهد العراقي الراهن، وفق قراءة القيادي، لم يعد فقط: من يمتلك السلاح؟ وإنما: من يمتلك قرار استخدامه، ولمن تعود مرجعية القرار السياسي والأمني والعسكري في العراق؟