عبدالغني الغضبان/ رئيس المكتب السياسي لحزب الشمس

يقف العراق أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية مع التحولات الإقليمية والدولية، ويبرز في مقدمة الملفات الحساسة موضوع السلاح وعلاقته بالدولة، ليس بوصفه قضية أمنية مجردة، وإنما باعتباره جزءاً من نقاش أوسع حول شكل الدولة ومستقبل الاستقرار وطبيعة التوازنات التي تحكم المشهد العراقي.

فالحكومة تنطلق من رؤية ترى أن استقرار الدولة يتطلب وضوحاً في المسؤوليات والقرار الأمني والعسكري، فيما تنظر قوى وفصائل سياسية ومسلحة إلى مسألة السلاح من زاوية مختلفة، مرتبطة بظروف المنطقة والتحديات التي مر بها العراق خلال السنوات الماضية، وبالدور الذي ترى أنها قامت به في مواجهة التهديدات التي تعرض لها البلد.

وبين الرؤيتين مساحة واسعة تحتاج إلى حوار هادئ ومسؤول، لأن الوصول إلى نتيجة مستقرة لا يمكن أن يتحقق بمنطق كسر الإرادات، كما أن استمرار الوضع من دون معالجة واضحة قد يبقي الملف مفتوحاً أمام أزمات جديدة.

إن جوهر المسألة لا يتعلق فقط بوجود السلاح، وإنما بكيفية تنظيمه، والجهة التي تحدد استخدامه، والإطار القانوني والسياسي الذي يحكمه. وهذه قضية تحتاج إلى معالجة متوازنة تأخذ في الاعتبار هيبة الدولة من جهة، والواقع السياسي والأمني الذي تشكل خلال السنوات الماضية من جهة أخرى.

فليس من الواقعي تجاهل التحولات التي شهدها العراق والمنطقة، كما أنه ليس من مصلحة أحد أن يبقى ملف السلاح مصدراً دائماً للقلق أو الخلاف. وبين هذين الاعتبارين يمكن البحث عن صيغة وطنية تضمن للدولة مسؤوليتها الدستورية، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام معالجة متدرجة ومدروسة لا تؤدي إلى توترات جديدة.

ومع اقتراب المواعيد التي حددتها الحكومة، يبرز سؤال مهم حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل يمكن الوصول إلى تفاهم يضع قواعد واضحة لتنظيم السلاح وعلاقة القوى المسلحة بالمؤسسات الرسمية؟ وهل تستطيع الأطراف المختلفة الاتفاق على خطوات عملية تضمن عدم استخدام القوة خارج إطار التوافق الوطني والقانون، من دون أن يتحول الملف إلى مواجهة سياسية أو أمنية؟

إن الوصول إلى تفاهم لا يعني بالضرورة أن يتنازل طرف لمصلحة طرف آخر، وإنما يمكن أن يعني أن تتفق الأطراف على قاعدة أوسع، وهي أن أمن العراق واستقراره يجب أن يكونا فوق الحسابات السياسية الآنية.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن النظر إلى هذا الملف بمعزل عن البيئة الإقليمية. فالعراق يقع في منطقة تشهد تحولات متسارعة، وتتنافس فيها مشاريع ومصالح متعددة، الأمر الذي يجعل أي نقاش داخلي حول السلاح قابلاً للتأثر بما يجري خارج الحدود. ومن هنا تأتي أهمية أن يبقى القرار العراقي مستقلاً، وأن لا يتحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تبادل الرسائل بين القوى الإقليمية والدولية.

فالضغوط الخارجية، أياً كان مصدرها، يمكن أن تكون عاملاً مؤثراً، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلاً عن التفاهم العراقي الداخلي. وفي المقابل، فإن التعامل مع هذه الضغوط لا يكون برفض كل ما يأتي من الخارج، وإنما بامتلاك رؤية وطنية واضحة تحدد ما يخدم مصالح العراق وما يمكن أن يضر بها.

ولعل التحدي الأكبر أمام جميع الأطراف هو كيفية الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء الحل. فالحكومة تحتاج إلى التعامل مع الملف بحكمة وتدرج، والقوى والفصائل تحتاج أيضاً إلى قراءة المتغيرات الجديدة بروح مسؤولة، لأن استمرار الخلاف من دون أفق واضح لن يكون في مصلحة أي طرف.

العراق لا يحتاج اليوم إلى معركة جديدة تثبت فيها جهة قدرتها على فرض إرادتها، بقدر ما يحتاج إلى تفاهم يثبت قدرة الجميع على حماية البلد من الانزلاق إلى مواجهة جديدة.

وقد يكون من المفيد النظر إلى القضية من زاوية أوسع: كيف يمكن بناء منظومة أمنية وطنية تستوعب مختلف المكونات والقوى التي ساهمت في حماية العراق، وفي الوقت نفسه تضمن وحدة القرار الأمني والعسكري؟ وكيف يمكن الوصول إلى هذه المعادلة من دون إقصاء أو استفزاز أو تحويل الخلاف السياسي إلى صراع أمني؟

هذه الأسئلة هي التي تستحق النقاش الحقيقي.

فالدولة القوية ليست بالضرورة الدولة التي تفرض إرادتها بالقوة، كما أن القوة السياسية أو العسكرية لا تعني بالضرورة القدرة على إدارة الدولة. القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الوصول إلى تفاهمات تحمي المجتمع وتمنع الانقسام وتحافظ على القرار الوطني.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة، لأن أي خطوة غير محسوبة قد توسع مساحة الخلاف، بينما يمكن للخطوات المدروسة أن تحول الأزمة إلى فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والقوى السياسية والمجتمعية بصورة أكثر وضوحاً واستقراراً.

وفي النهاية، فإن قضية السلاح في العراق لا ينبغي أن تُختزل في سؤال: من مع الحكومة ومن ضدها؟ ولا في سؤال: من مع الفصائل ومن ضدها؟ فهذه الثنائية قد تزيد المشهد تعقيداً ولا تقدم حلاً.

السؤال الأهم هو: كيف يستطيع العراق أن يحافظ على سيادته واستقراره، وأن يضمن في الوقت نفسه أن يكون قراره الوطني محصناً من أي ضغوط داخلية أو خارجية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تكون سهلة، وربما تحتاج إلى وقت وحوار وتنازلات متبادلة، لكنها تبقى الطريق الأكثر أماناً. فالعراق لا يحتاج إلى انتصار طرف على طرف، وإنما يحتاج إلى صيغة ينتصر فيها الجميع، وتكون النتيجة الأهم هي استقرار البلد ووحدة قراره وحماية مستقبله.

وفي ظل المتغيرات المتسارعة، ستبقى الأيام المقبلة كفيلة بتحديد ما إذا كان هذا الملف سيتحول إلى فرصة لبناء تفاهم وطني جديد، أم سيبقى عنواناً لأزمة مفتوحة تحتاج إلى مزيد من الحكمة قبل أن تصل إلى نقطة يصعب عندها احتواء تداعياتها