متابعات|

أصدر مركز كوردستان للتفكير – خانەی هزریی كوردستان ورقة سياسية تحليلية جديدة أعدها الباحث الأكاديمي د. ياسين طه، تتناول تداعيات المرحلة التي تلي انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، وما قد يترتب عليها من تحولات في البيئة الأمنية والسياسية العراقية، ولا سيما على صعيد مستقبل السلاح خارج مؤسسات الدولة، وتوازنات القوى الداخلية والإقليمية.
وترى الورقة أن العراق لا يواجه، بعد انتهاء مهمة التحالف، تحولًا عسكريًا فحسب، وإنما يدخل مرحلة اختبار حقيقية لقدرة الدولة على إدارة أمنها الوطني وملء أي فراغ أمني أو سياسي قد ينشأ عن إعادة ترتيب الوجود العسكري الدولي، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد وتعدد الجهات المسلحة ومراكز النفوذ.

30 أيلول/سبتمبر.. اختبار لقدرة الدولة
بحسب التحليل، لا تكمن أهمية المرحلة المقبلة في انتهاء مهمة عسكرية بحد ذاتها، وإنما في طبيعة الترتيبات الأمنية والسياسية التي ستنشأ بعدها. فنجاح بغداد في إدارة المرحلة الجديدة سيتوقف، إلى حد كبير، على قدرتها على تعزيز مؤسسات الدولة، وضمان حصرية القرار الأمني والعسكري، ومنع تحول أي فراغ محتمل إلى مساحة إضافية لنفوذ الجهات المسلحة أو القوى الإقليمية.
وتحذر الورقة من أن ضعف قدرة الدولة على إدارة هذا الانتقال قد يفتح الباب أمام تصاعد نفوذ الجهات الفاعلة من غير الدول، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي، بما قد ينعكس على استقرار العراق وعلاقاته الإقليمية والدولية.

السلاح خارج الدولة.. التحدي الأكثر حساسية
تولي الورقة اهتمامًا خاصًا لملف السلاح خارج السيطرة الحصرية للدولة، باعتباره أحد أبرز الاختبارات التي ستواجه الحكومة العراقية في المرحلة المقبلة.
وتشير إلى أن بعض الفصائل المسلحة تمتلك قدرات تنظيمية وعسكرية وسياسية تجعل معالجة ملف السلاح أكثر تعقيدًا من مجرد قرار إداري أو أمني، خصوصًا في ظل ارتباط بعض هذه القوى بشبكات نفوذ إقليمية.
وترى الورقة أن التحدي أمام بغداد يتمثل في الانتقال من إدارة ملف السلاح عبر التفاهمات السياسية إلى ترسيخ قاعدة حصرية الدولة في امتلاك واستخدام القوة، عبر أدوات دستورية وقانونية ومؤسساتية، بما يحافظ على استقرار البلاد ويجنبها الانزلاق إلى مواجهة داخلية مفتوحة.
المعادلة الإقليمية.. العراق أمام بيئة متغيرة
وتتناول الورقة كذلك التحولات المتسارعة في البيئة الإقليمية المحيطة بالعراق، ولا سيما تنامي التنسيق بين تركيا والسعودية وباكستان، إلى جانب التحولات الأمنية في سوريا وانعكاساتها المحتملة على الحدود العراقية.
وترى الورقة أن هذه التطورات قد تؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى حول العراق، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تعزيز ارتباط العراق بالاقتصاد الإقليمي والدولي عبر مشاريع الطاقة والنقل والبنية التحتية، بما قد يوسع خيارات بغداد الاقتصادية والاستراتيجية ويحد من اعتمادها على مصدر واحد للطاقة أو التجارة.
وفي المقابل، يظل النفوذ الإيراني أحد أبرز العوامل المؤثرة في البيئة السياسية والأمنية العراقية، الأمر الذي يجعل بغداد أمام مهمة صعبة تتمثل في الحفاظ على علاقاتها مع طهران، من جهة، ومنع تحول العراق إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية، من جهة أخرى.

الحكومة العراقية وملف حصر السلاح
وتشير الورقة إلى أن مستقبل ملف السلاح سيكون مرتبطًا بمدى قدرة الحكومة العراقية على تحويل مبدأ حصر السلاح بيد الدولة من شعار سياسي إلى سياسة تنفيذية قابلة للتطبيق.
وترى أن نجاح هذه السياسة يتطلب الجمع بين الأدوات القانونية والسياسية والأمنية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع الفصائل المسلحة، بما قد يهدد الاستقرار الداخلي.
وفي هذا السياق، تطرح الورقة احتمال انتقال ملف السلاح تدريجيًا من إطار التفاوض السياسي إلى إطار قانوني ومؤسساتي أكثر صرامة، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والقدرة الأمنية اللازمة لتنفيذ ذلك.

ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة
وتخلص الورقة إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية يمكن أن تحكم مسار العراق خلال المرحلة المقبلة:
الأول: التهدئة وتجميد الأنشطة المسلحة.
وفيه يجري احتواء الفصائل المسلحة وتهدئة نشاطها، بما يحافظ على بنية مؤسسات الدولة والحشد الشعبي ويجنب البلاد مواجهة داخلية واسعة.
الثاني: اشتباك محدود بين الدولة وبعض الفصائل.
ويفترض هذا السيناريو أن تؤدي محاولات فرض سلطة الدولة وحصر السلاح إلى صدامات محدودة مع بعض الفصائل الأكثر تشددًا، من دون أن تتطور بالضرورة إلى مواجهة شاملة.
الثالث: إعادة دمج أو إعادة تدوير السلاح.
وفي هذا السيناريو يجري إدخال جزء من العناصر المسلحة في مؤسسات الدولة أو إعادة تنظيم وجودها ضمن الأطر الرسمية، فيما تبقى شبكات النفوذ والقدرة الفعلية على استخدام القوة قائمة بدرجات متفاوتة خارج التسلسل المؤسسي للدولة.

العراق أمام اختبار مزدوج
وتخلص الورقة إلى أن التحدي الأكبر أمام العراق في المرحلة المقبلة لا يتمثل في انتهاء مهمة التحالف الدولي بحد ذاتها، وإنما في كيفية إدارة المرحلة التي تليها.
فقدرة بغداد على تعزيز مؤسسات الدولة، وحصر السلاح، والحفاظ على علاقاتها الدولية، وإدارة التوازن بين الولايات المتحدة وإيران والقوى الإقليمية الأخرى، ستكون عوامل حاسمة في تحديد طبيعة المرحلة المقبلة.
وبحسب الورقة، فإن نجاح العراق في تجاوز هذا الاختبار يتطلب الانتقال من إدارة التوازنات إلى بناء توازن مؤسسي يجعل الدولة مركز القرار الأمني والسياسي، ويحول دون أن يتحول انتهاء مهمة التحالف إلى فراغ تستفيد منه الجهات المسلحة أو القوى الإقليمية المتنافسة.
وفي المقابل، فإن فشل بغداد في إدارة هذه المرحلة قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا من التنافس على النفوذ ومراكز القوة، بما يجعل الاستقرار العراقي مرتبطًا ليس فقط بقدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية، وإنما بقدرتها أيضًا على منع تحويل أراضيها إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية.