بقلم علي العزاوي
ليس أخطر ما يواجه العراق وجود الفساد بحد ذاته فهذه الآفة ابتُليت بها دول كثيرة وإنما الخطر الحقيقي يكمن في أن يتحول الفساد إلى مشهد مألوف وأن تصبح أخباره جزءًا من الروتين اليومي الذي لا يثير دهشةً ولا يحرك رأيًا عامًا.
عندما يفقد المجتمع حساسيته تجاه الفساد تتراجع قيمة المساءلة وتضعف الرقابة الشعبية ويغدو كشف القضايا أو الإعلان عن ضبط الأموال حدثًا عابرًا سرعان ما يطويه النسيان.
وهنا لا تكون المشكلة في الفساد وحده بل في اعتياد الناس عليه حتى يصبح الصمت أخطر من الجريمة نفسها.
المواطن العراقي لم يعد ينتظر المؤتمرات الصحفية أو البيانات الرسمية بقدر ما ينتظر نتائج يلمسها في حياته اليومية.
فهو يريد كهرباءً مستقرة في ذروة الصيف ومياهًا صالحة للشرب ومستشفيات تليق بكرامة الإنسان ومدارس توفر بيئة تعليمية سليمة وشوارع وبنى تحتية تعكس حجم الإمكانات والثروات التي يمتلكها العراق.
ومع كل إعلان عن كشف ملف فساد أو ضبط مبالغ مالية يتكرر السؤال ذاته:
هل ستعود هذه الأموال إلى خزينة الدولة؟ وإذا عادت، هل ستُترجم إلى مشاريع وخدمات يشعر بها المواطن؟
أم ستظل مجرد أرقام تتصدر وسائل الإعلام ثم تختفي دون أثر ملموس؟
إن استرداد المال العام لا ينبغي أن يكون غاية بحد ذاته بل بداية لمسار إصلاحي يعيد توجيه تلك الأموال إلى ما خُصصت له أصلًا وهو خدمة المواطن وتحسين جودة حياته.
فالقيمة الحقيقية لأي جهد في مكافحة الفساد لا تُقاس بعدد المؤتمرات أو البيانات وإنما بما ينعكس على أرض الواقع من تحسن في الخدمات واستقرار في الكهرباء وتطوير للبنية التحتية وتعزيز لثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
غير أن السؤال الأكثر أهمية يبقى حاضرًا في أذهان العراقيين:
هل تشمل المحاسبة جميع من تثبت مسؤوليته عن الفساد دون استثناء؟
وهل يُطبق القانون بمعيار واحد على الجميع بصرف النظر عن الانتماءات السياسية أو المواقع الوظيفية؟ وهل تمتد يد العدالة إلى كل من يثبت تورطه حتى وإن كان رئيس حزب أو زعيم كتلة سياسية أو مسؤولًا يتبوأ موقعًا رفيعًا في الدولة؟ أم أن هناك حدودًا تقف عندها إجراءات المساءلة فتتحول العدالة إلى استثناء بدلًا من أن تكون قاعدة؟
إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد ملفات الفساد التي تُفتح بل بقدرتها على حسمها وفق القانون وبما ترسخه من مبدأ أن لا أحد فوق المساءلة وأن النفوذ السياسي لا يمنح حصانة وأن حماية المال العام مسؤولية لا تعرف التمييز أو الانتقائية.
لقد أثبت الرأي العام العراقي خلال السنوات الماضية أنه أكثر وعيًا وقدرةً على التمييز بين الإنجاز الحقيقي والدعاية الإعلامية.
فالمواطن لم يعد يحكم على الحكومات من خلال الشعارات وإنما من خلال ما يراه في واقعه اليومي: ساعات تجهيز الكهرباء ومستوى الخدمات وفرص العمل وسرعة إنجاز المشاريع وحضور القانون في مواجهة الفساد.
إن العراق لا يعاني شحًا في الموارد بل يحتاج إلى إدارة كفوءة ومؤسسات راسخة وعدالة تُطبق على الجميع دون تردد أو استثناء.
وإذا كانت الدولة جادة في استعادة الأموال العامة فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد استعادتها عندما تتحول إلى مشاريع تنموية وخدمات أفضل وفرص حقيقية تلامس حياة المواطن.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينتظر العراقيون أن تجيب عنه الوقائع لا التصريحات:
هل ستكون هذه المرحلة نقطة تحول تؤسس لدولةٍ يكون فيها القانون فوق الجميع ويعود فيها المال العام لخدمة المواطن أم أن أخبار الفساد ستظل تتكرر بينما تبقى معاناة الناس مع الكهرباء والخدمات وسائر متطلبات الحياة على حالها؟
إن مكافحة الفساد ليست شعارًا سياسيًا بل مشروع دولة ونجاحه لا يُقاس بعدد القضايا المعلنة وإنما بمدى قدرة الدولة على استعادة ثقة مواطنيها وترسيخ مبدأ العدالة وتحويل المال العام إلى تنميةٍ يشعر بها كل عراقي.