بقلم: د. أسماء صالح حمودي

يشهد العالم المعاصر تحولاً رقمياً متسارعاً ألقى بظلاله على كافة مناحي الحياة السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية.

ولم يكن العراق بمعزل عن هذا التحول؛ فمع الاتساع الهائل في استخدام شبكات التواصل الاجتماعي ومنظومات الدفع الإلكتروني، برزت إلى السطح أنماط مستحدثة من السلوكيات الانحرافية التي تُعرف بـ “الجرائم المعلوماتية” أو الجرائم الإلكترونية. هذه الجرائم لم تعد تقتصر على الهواة أو الأفراد، بل تحولت إلى أدوات منظمة تهدد السلم المجتمعي، والأمن القومي، والاقتصاد الوطني.

من هنا، تبرز إشكالية قانونية وتشريعية ملحة في العراق: كيف يواجه القضاء العراقي هذه الجرائم المبتكرة في ظل غياب قانون خاص ومستقل حتى الآن؟ وما هي ملامح الحماية القانونية الحالية والمستقبلية؟
أولاً: المرجعية القانونية الحالية (التكييف القضائي)
في ظل تأخر إقرار “قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات” الخاص، وجد القضاء العراقي نفسه أمام مسؤولية كبرى تجسدت في ضرورة سد الفراغ التشريعي.

وقد استند القضاة إلى القواعد العامة الواردة في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته، من خلال آلية “التكييف القانوني” للجريمة الرقمية بما يتطابق مع النص التقليدي:
1 الابتزاز والتهديد الإلكتروني: يتم تكييف هذه الجرائم وفق المادتين (430 و431) من قانون العقوبات،

حيث تصل العقوبة إلى السجن مدة لا تزيد على سبع سنوات إذا كان التهديد مصحوباً بطلب مالي أو أمر

وهي العقوبة التي تُطبق اليوم على متبزي النساء والشباب عبر منصات التواصل.
2 الجرائم الأخلاقية والتشهير: تُطبق المواد (433، 434، و435) المتعلقة بالقذف والسب والتشهير،
فضلاً عن المواد الخاصة بالمساس بالآداب العامة (المادة 403)، والتي شُددت الإجراءات بخصوصها مؤخراً لمكافحة ما يُعرف بـ “المحتوى الهابط”.

3 الاحتيال المالي الرقمي: يعتمد القضاء على المادة (456) الخاصة بالاحتيال وسلب أموال الغير بالخداع، لحماية مستخدمي بطاقات الدفع الإلكتروني والمحافِظ الرقمية.

ثانياً: قراءة في مسودة “قانون جرائم تقنية المعلومات” الجديد
يمثل مشروع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات المعروض أمام مجلس النواب خطوة تشريعية حتمية لتعزيز الأمن الرقمي، حيث جاءت مسودته لتغطي الفجوات التقنية عبر عقوبات رادعة تتوزع كالتالي:

حماية الأنظمة والبيانات: فرض عقوبات بالحبس والغرامة (تصل إلى 25 مليون دينار) على الاختراق الإلكتروني، وتتضاعف العقوبة إذا كان الهدف تدمير بيانات مؤسسات الدولة.

الحماية المالية: وضع عقوبات تصل إلى السجن 7 سنوات لتزوير المحررات الرقمية وبطاقات الائتمان.

الأمن القومي والسلم الأهلي: شدد القانون العقوبات لتصل إلى السجن المؤبد في حالات استغلال الشبكة المعلوماتية لتهديد أمن الدولة، أو التحريض على الإرهاب، أو إثارة النعرات الطائفية.

ثالثاً: التوازن بين الردع القانوني وحرية التعبير (رؤية نقدية)
كأكاديميين ومراقبين للمشهد القانوني، نرى أن تشريع قانون خاص بالجرائم المعلوماتية في العراق يعد ضرورة ملحة لحفظ استقرار المجتمع ومواكبة الاتفاقيات الدولية (مثل الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات).
ومع ذلك، فإن هذا التشريع يجب أن يوازن بدقة بين حق الدولة والمجتمع في الأمن الرقمي وبين الحقوق والدستورية للمواطن في حرية التعبير عن الرأي والبحث العلمي (المكفولة في المادة 38 من الدستور العراقي).

إن صياغة بعض النصوص بعبارات مرنة وفضفاضة قد تؤدي إلى تداخل المفاهيم بين النقد البنّاء والجرائم الإلكترونية، وهو ما يتطلب من المشرّع العراقي الاستعانة بالخبراء القانونيين والتقنيين لضبط المصطلحات الفنية والقانونية بدقة متناهية قبل التصويت النهائي.