دكتور أحمد فاتح محمد
حين يعلن محافظ كركوك محمد سمعان آغا أن المادة ١٤٠ من الدستور “لم تعد قائمة”، فإنه لا يطرح رأيًا سياسيًا مجردًا عابراً، بل يستبطن قولًا يستند، وإن لم يُصرَّح به، إلى الحجة التقليدية التي يتداولها الطرف العربي والتركماني منذ سنوات: أن المادة حددت لنفسها سقفًا زمنيًا أقصاه الحادي والثلاثون من كانون الأول ٢٠٠٧ لإنجاز مراحلها الثلاث، التطبيع فالإحصاء فالاستفتاء، وبما أن هذا الأجل انقضى منذ نحو عقدين دون تنفيذ، فإن أصحاب هذا الرأي يخلصون إلى أن النص سقط بفوات أجله وبات بحاجة إلى تعديل دستوري مستأنف لا إلى تطبيق مباشر. غير أن هذا الأساس، مهما بلغ من رواج سياسي، لا يرتقي من حيث الصناعة القانونية إلى حجة تبرر لمسؤول تنفيذي أن يعلن سقوط نص دستوري.
يقوم هذا الأساس على خلط جوهري بين “الأجل التنفيذي” المضروب على السلطة المكلفة بالتنفيذ وبين “الحكم الموضوعي” المقرر في النص ذاته. فالمادة ١٤٠ ألزمت السلطة التنفيذية بإنجاز مهامها في مدة أقصاها التاريخ المذكور، وهذه صياغة تفرض التزامًا بالإسراع على الجهة المكلفة، لا شرطًا فاسخًا يُسقط الحق الدستوري بفوات الأجل، ما لم ينص الدستور صراحة على غير ذلك، وهو ما لم يحدث. والقاعدة المستقرة في فقه القانون العام أن الآجال التنظيمية المضروبة على الإدارة لأداء التزام لا تُعدم حق الغير عند فواتها، بل إن من يستفيد من هذا التفسير هو تحديدًا الجهة التي قصّرت في التنفيذ، أي السلطة التنفيذية الاتحادية، وهو ما يصطدم بقاعدة عامة تقضي بأنه لا يجوز للإدارة أن تتذرع بتقصيرها لتعطيل حق طرف آخر.
ثم إن الدستور حصر سلطة تفسير نصوصه والفصل في نزاعات تطبيقها بالمحكمة الاتحادية العليا وحدها بموجب المادة ٩٣، وهي مع ذلك لا تملك “إسقاط” نص دستوري، لأن إلغاء أو تعديل أي حكم دستوري لا يكون إلا وفق الآلية الحصرية في المادة ١٢٦، أي موافقة ثلثي مجلس النواب ثم استفتاء شعبي عام. وبما أنه لم يصدر أي تعديل دستوري بهذا الشأن منذ عام ٢٠٠٥، يبقى القول بسقوط المادة ١٤٠ خارج أي سند إجرائي يعترف به الدستور نفسه.
ويؤيد هذا الاستنتاج أن الممارسة الدستورية اللاحقة للدولة ذاتها تكذّب فرضية السقوط، إذ ما تزال قوانين الموازنة الاتحادية، سنة بعد أخرى، تخصص مبالغ صريحة تحت عنوان المادة ١٤٠ لتعويض المرحّلين والوافدين، وما يزال في مجلس النواب لجنة دائمة تحمل هذا الاسم تباشر عملها، وللحكومة الاتحادية مكتب وطني معني بمتابعة تطبيقها، ولجان محلية في كركوك تُعِدّ قوائم المشمولين وتُحيلها إلى بغداد. وهذه كلها وقائع رسمية صادرة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، لا عن جهة سياسية معارضة، تعكس تفسيرًا عمليًا مستمرًا مفاده أن النص لا يزال نافذًا ومنتجًا لآثاره القانونية، وفي فقه التفسير الدستوري تُعد الممارسة اللاحقة المستقرة لأجهزة الدولة قرينة راجحة على استمرار الإرادة التطبيقية للنص لا على انقضائه، بل إن الدولة نفسها، بمؤسساتها الثلاث، تناقض بفعلها اليومي ما يقوله محافظ واحد بتصريح عابر.
أما من حيث اختصاص المحافظ ذاته، فإن قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم ٢١ لسنة ٢٠٠٨ المعدل حصر صلاحياته في الشؤون الإدارية والخدمية والتنفيذية داخل حدود المحافظة، ولم يمنحه صلاحية تفسيرية أو تقريرية بشأن نفاذ نص دستوري، فهو سلطة تنفيذية محلية مقيدة بمبدأ المشروعية، ولا يجوز له ممارسة اختصاص أعلى من طبيعة منصبه. ولا يغيب عن هذا السياق أن القسم الدستوري الذي يؤديه شاغلو المناصب العامة يتضمن التزامًا صريحًا باحترام الدستور، بما يجعل تصريحًا كهذا مدخلًا محتملًا للمساءلة بموجب قانون انضباط موظفي الدولة رقم ١٤ لسنة ١٩٩١.
وخلاصة القول إن سند التصريح، وهو انتهاء السقف الزمني، حجة سياسية مشروعة في النقاش العام، ولها من يتبناها ويكرر طرحها منذ سنوات في أوساط غير قانونية ، لكنها تبقى حجة سياسية بامتياز، لا تصلح أساسًا قانونيًا لإسقاط نص دستوري من موقع تنفيذي محلي محدود الصلاحية. فسلطة إسقاط الأحكام الدستورية أو تعديلها محصورة حصرًا بالآليتين اللتين رسمهما الدستور نفسه في مادتيه ٩٣ و١٢٦، ولم تُستخدم أي منهما حتى اليوم بشأن المادة ١٤٠، وبقاء النص خارجهما يعني بقاءه نافذًا ملزمًا لكل سلطة في الدولة، اتحادية كانت أم محلية، إلى أن يُقال فيه قول فصل من الجهة المختصة دستوريًا، لا من موقع تصريح إعلامي مهما علا شأن قائله.