تَفْكيكُ الأغْراضِ الشَّعريَّةِالقَديمةِ: نَحْوَ تأْسيسِ قِراءةٍ مُغَايرةٍ لِلفَنّ الشّعْريّ العَربيّ

م. د. ضياء لطيف سعيد عطيه
ُعدُّ الشعرُ الصورةَ الأدبيةَ التي عبّر بها الإنسان عن انفعالاته وعن مواقف معينة كانت تعترضه، والشعر صورة للبيئة التي عاش فيها أصحابها، يجسد جميع الجوانب الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية، ولم يقتصر على هذا بل كان يعكس طائفة للجوانب الاخلاقية عند العرب ونشأته، محاطة بالكثير من الغموض والفرضيات والاجتهادات التي قامت عليها شواهد عقلية أو نقلية، ولم تكن دليلاً كافياً لنشأة الشعر العربي، ومن هذه الفرضيات إنَّ الرجز هو أقدم أنواع الشعر العربي وقد تولد من السجع حتى وصل في صورته النهائية. ومنهم من يرى أن بداية ظهوره أبيات يقولها الرجل في حاجته، أي أنها وليدة اللحظة تجسد الموقف الذي أقتضى قولها قد يكون غضب فينتج عنه الهجاء أو زهو بالنفس فيكون فخراً أو انبهاراً من المقابل فيكون مديحاً، فلما اتسعت الحاجة إليه التمس الناس مجالاً ارحب للتعبير عن تجاربهم واحساسهم فاتسعت آفاق الشعرِ، ومن الفرضيات الأخرى التي ترى أن العرب تأثروا بغيرهم في نشأة الشعر وأخذوا بحوره وأوزانه وموسيقاه من أمم أخرى كالفرس واليونان وغيرهم؛ لكن بعض الباحثين يرفضوا هذه الفرضية وينكرونها لكون اللغة العربية هي اللغة الوحيدة السامية التي عرفت العروض بهذه الصورة التي وصلت إليها. ويرى ابن سلّام أن الشعر العربي بدأ في صورة مقطوعات قصيرة أو أبيات قليلة العدد يرتجيها الشاعر في مناسبات طارئة ليعبر بها عن انطباعات سريعة مؤقتة، كما يعرض للنظرية الحديثة التي تذهب إلى أن الرجز كان الصورة الأولى للشعر العربي في بدايته.
وعلى الرغم من أن النظرية الحديثة لا يطمئن إليها بعض الباحثين، ويرون أنها مجرّد فرض، وأن شيوع الرجز لا يعني قدمه وسبقه للأوزان الأخرى، فقد اكتملت القصيدة العربية في أواخر القرن الخامس الميلادي بعد توافر العوامل السياسية والاقتصادية والدينية التي أظهرت لغة قريش لغة أدبية موحدة، فرضت نفسها على المجتمع الجاهلي كلّه؛ إذ اصطلح الشعراء في الشمال والجنوب على اتخاذها لغة شعرِهم، وراحت القصيدة الجاهلية تأخذ طريقها بعد ذلك نحو تطور طبيعي، ومن يرجع إلى القصائد الجاهلية ويترك المقطعات القصيرة يلاحظ إنها تأخذ نمطاً معيناً في التعبير والأداء، حتى عادت اسلوباً موروثاً فيها إذ نراها تبدأ عادة بذكر الاطلال وبكاء الدمن، ثم تنتقل إلى وصف رحلات الشاعر في الصحراء، وحينئذ يصف ناقته التي تملأ حسه ونفسه وصفاً دقيقاً فيه حذق ومهارة، ثم يخرج من هذا إلى الموضوع الرئيس من مدح أو هجاء أو غيرهما، وقد استقرت تلك الطريقة التقليدية في الشعر العربي وثبتت أصولها في مطولات على مر العصور. ومن أولى الأغراض الشعرية التي كان لها حضوراً بارزاً منذُ نشأة الشعر العربي وبداياته غرض المديح وقد عدّه قدامة بن جعفر أساس الشعر وجوهره يقوم على الفضائل النفسية الاربع وهي العقل والعدل والشجاعة والعفة، وكان المادح بهذه الصفات مصيب والمادح بغيرها خاطئ. وقد عدّ اغلب الاغراض الشعرية مردودة لباب المديح ففي الغزل مدح للمرأة وفي الفخر مدح للنفس وفي الرثاء مدح للميت، فحصر أغراض الشعر العربي في طياته.وربما كان هذا الغرض مردود للنشأة، الأولى للغرض الشعري التي كشف عنها قدامة بن جعفر واتصف المديح بتأثر الشاعر بشخصية الممدوح وفضائله ومآثره فالشاعر يخلد صفاتهم في الشعر تعظيماً لهم، وهذا ما فعله زهير بن أبي سُلمى حين مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف، فكان لهذين الشخصيتين مكانة مهمة وأفعال جليلة خلدها الشاعر في معلقته؛ ولكن غرض المديح سار في نطاق آخر وهو التكسب فكان دافع العطاء والتقرب من الممدوح هو الدافع الرئيس وظهرت بوادره في زمن الجاهلية عند الاعشى والنابغة الذبياني، وفي العصر الأموي أندرج تحت غرض المديح الشعر السياسي الذي انبثق من دوافع مختلفة حاولت التغيير في صوره ومعانيه بما يراه الشاعر وما يلائم الممدوح، وقد تطور غرض المديح وبلغ ذروته في العصر العباسي وكان دافع التكسب له دور كبير فيه، كما اصبح لسان حال الخليفة، يصور جوانب مختلفة تتعلّق به كأن يصور وروعه وتقواه وعدله، ولم يخرج الشاعر العباسي عن الصفات التي ذكرها قدامة بن جعفر، وأغلب الشعراء سار على هذا النهج حتى بدأ الشعراء يلازمون الخلفاء في حلهم وترحالهم، ومن الاغراض الشعرية التي تأتي بعد المديح غرض الغزل وهو من الفنون الموغلة في القِدم عرفها العرب وتكاد تكون أكثر الفنون انتشاراً؛ ولعل اتصالها بحياة الإنسان بكل تفاصيلها وكتب لهذا الفن للذيوع والشهرة ومما هو متصل بحياة الإنسان يحس به ويميل إليه انجذاباً وطرباً؛ لأنه يعبر عن كل شعور مرهف واحساس جيّاش، وميدان الغزل الحديث عن النساء ووصف جل ما يتعلّق بهن وتأثير ذلك على الشاعر وما يعود عليه من صبابة وشوق وهيام قد تصل في بعض الاحايين إلى السقام والاشراف على الموت، وهذا ما يعرف بالنسيب، وقد تباينت رؤية الشعراء في التعبير عن لوعتهم وحبهم وسجلت في ابيات تصور خلجات النفس وتأثرها بالحب، ومنهم من يتعدّى ذلك ويذكر صفاته المادية الحسية والمعنوية، وهذا ما يعرف بالتشبيب، والبعض من شعراء الجاهلية من ذكره في شعره منهم امرؤ القيس والأعشى والمتلمس الضبعي، وموضوع الغزل قد قطع مراحل متقدمة ومهمة في التطور حتى اصبح فناً فذاً يجذب المتلقي، فضلاً عن المحبوبة التي أخذت حيزاً واسعاً في عناية الشاعر، وللبيئة وما طرأ عليها من تأثيراتٍ حضارية كان كفيلاً بأن يجعل صورة الغزل تتفتح على مرحلة جديدة لها مقوماتها ومناهجها التي جعلت منها تمثل روح العصر الجديد ولا سيما في عصر الأمويين فقد استقل هذا الغرض الشعري واصبح غرضاً قائماً بذاته، حتى عُرف بالغزل الصريح يقابله الغزل العذري، وكان للترف والبذخ دور ساعد على ازدهاره وأخذ هذا الفن يقطع مراحل مهمة ومتقدمة لم يعهدها في العصر الجاهلي.
وبعد أن حلّ القرن الثاني للهجرة حتى ظهر الغزل بلون جديد لم عهده الشعر العربي من قبل أختلف في طريقة العرض والمعالجة وقد تغير حتى في نظرته إلى المرأة؛ وكان السبب الرئيس لذلك انفتاح العالم الاسلامي على أقوام شتى وبيئات عدة كلٌّ يحمل واقعه وبيئته وطريقته في الحياة فالمرأة على الأغلب في هذا القرن أمَة فارسية أو رومية أو هندية، واختلفت مقاييس الجمال بينهن وبين النساء العربيات وهناك بون شاسع في اللون والملامح وكل ما يميّز المرأة ويحدد جمالها، ولم يكتفي بذلك بل جاء بأخطر منه وهو التغزل الفاحش المتهتك الذي لا يراعي حرمة المرأة أو يصونها وهذا سببه ظهور الجواري في قمة الخلاعة وظهور المجون، وكل هذه الامور افرزت نوع آخر أخطر من الاول أحدث طفرة واضحة في الغزل وهو التغزل بالمذكر، نتيجة الواقع الذي طغى فيه المجون والتهتك مما دفع بالشعراء للأقبال عليه وعلى الملذات الحسيّة المختلفة والشهوات الدنيوية، ويأتي بعد غرض الغزل من حيث الأهمية غرض الرثاء من الاغراض الشعرية التي تتسم بالصدق الفني أكثر من بقية الاغراض الشعرية الخرى ؛ لكونه يخلد صفات الشخص الميت ويمجد مناقبه، وغرض الرثاء في بادئ الأمر كان تعويذات للميت ليطمئن في قبره، وبعدها تطور لذكر محاسنه وتمجيده وتخليده، ثم تحول بعد ذلك إلى التأبين والذي نجده في الشعر الجاهلي قد اضفوا عليه الدعوة إلىالصبر على الفراق، ويعد الرثاء بأنه فن شعري ثابت المعانييعبر في معظم أصوله عن انفعال وجداني وشعور عميق بالحزن، فتكون فيه المشاعر مشتركة بين الحزن، ومعاني الرثاء مشتركة بين الندب والتأبين، ولا يخرج عن هذه المعاني، ومن اشهر شعراء الجاهلية في هذا الغرض المهلهل بن ربيعة ودريد بن الصمة وأعشى باهلة ولبيد والخنساء.أما في عصر صدر الاسلام فقد تأثر الرثاء شأنه شأن الاغراض الاخرى، فقد أخذ معانيه من القرآن الكريم وينابيع الدين الحنيف؛ لكن في العصر الأموي انتهج سبل أخرى حاولت أن تغير مفهومه والهدف منه؛ وكل ذلك سببه عوامل فكرية وسياسية إذ ظهر الرثاء المذهبي لدى شعراء الشيعة، وكذلك الشعر المذهبي والسياسي لدى شعراء الخوارج وبني أمية، واستمر حتى العصر العباسي، وتوسعت أهدافه ودلالته وشمل أمور كثيرة حتى خرج مخرج الفكاهة والضحك، كما كان الشعراء يرثون أي شيء عزيزاً عليهم كانوا يملكونه، كما ظهر رثاء المدن والامصار، وقد دخل غرض الرثاء التفكير والتدبر وأصبح أكثر عمقاً بعد انتشار العلوم والفلسفة، فقد اصبح يتلأم مع العصر وطرأ عليه تغير في اسلوبه ومعانيه وإن كان في اطار محدود بالنسبة للتجديد الواسع، ومن الأغراض الشعرية الأخرى غرض الهجاء فقد أقترن هذا الغرض بالغضب عند القدماء وبعدها توسعت معانيه فأصبح يصور عاطفة الغضب أو الاحتقار أو الاستهزاء، وتختلف اسبابه ودوافعه، فهو في زمن الجاهلية لا يخرج عن هذه المعاني، والهجاء عندهم على ضربين هجاء فردي وهجاء جماعي متعلّق بالقبيلة، وربما الشاعر يجمع بينهما، وعند مجيء الاسلام تأثر غرض الهجاء؛ لأن الدين الاسلامي نهى عنه وقال الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم(( من قال في الاسلام هجاء مقذعاً فلسانه هدر))، ألا إن فن الهجاء أخذ طابعاً آخر وهو وسيلة جهادية يرد بها عن المشركين، وقد تطور الهجاء في عصر بني أمية وأصبح يتحدد بقصائد مستقلة جديدة موروثة عرفت بالنقائض، اتخذت وجهات جديدة كان وراءها عوامل اجتماعية وثقافية مؤثرة في أدب القرن الثاني كله، بعد أن كانت هناك ابيات مفردة تتحدد بالبيت أو البيتين، ولم يكن شأنها الجد وإنما أراد بها اللهو وإشباع رغبة الناس في ضرب من الملاهي والتسلية فهي تعد مناظرات ادبية افرزتها ظروف عقلية، ومن التطورات الجديدة التي نلاحظها في العصر العباسي لغرض الهجاء ميله إلى الشعبية والفكاهة مما يجعله قريب من المتلقين؛ لأنه تحدد بأسلوب شعبي قريب من النفوس كان مقترناً بالميل إلى الهزل والمرح والترفيه وقد تطور بسبب بعض المناح الشخصية في الغالب، وظهر كذلك الهجاء السياسي واشتمل على معاني الانحراف الديني عند المهجُ وزندقته وفي الاغلب يمثل الكذب والافتراء، وقد ظهر في هذا العصر هجاء الاموات، الذي يمثل اضافة جديدة، وكذلك هجاء الزوجة، ويبقى الغرض الشعري مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبيئة والعصر فاشعر يتأثر بالعوامل المحيطة به، واتصف غرض الهجاء بالمقطوعات القصيرة التي لم تصل إلى القصيدة؛ بسبب طبيعة الحياة الجديدة في هذا العصر.



