الشيعة إلى أين؟ – بقلم أحمد العبادي

بقلم/ أحمد العبادي
عندما أسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين ، كانت القوى الشيعية هي المستفيد السياسي الأكبر
لأول مرة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ،حيث أصبح الحكم بيد الأغلبية الشيعية عبر الانتخابات.
وبما ان الولايات المتحدة الأمريكية، لا تبني علاقتها على ثنائية شيعة وسنة فليس في السياسة الامريكية حسابات الهوية والمذهب بقدر ما هي حسابات الدولة والمصالح والسياسات.
فهي دولةٌ لا تُدير سياستها بمرآة الماضي، بل ببوصلة المستقبل، وهي لا تؤمن بعداواتٍ أبدية ولا بتحالفاتٍ مقدّسة.
ولا تتوقف عند اسئلة الماضي طويلا : من كان خصمي؟ بل تنصرف إلى سؤال أكثر براغماتية: من يصلح أن يكون شريكي ؟
تلك هي أميركا حيث تندفع المصالح كحصان جامح يقود المشهد، بينما تُساق الأخلاق خلفه في العربة.
فمن بعد حربين عالميتين مدمّرتين، تحوّلت العلاقة بين الولايات المتحدة وألمانيا واليابان من عداوة شاملة إلى تحالف أمني عميق.
ومن حرب دامية، تحولت فيتنام اليوم شريكاً اقتصادياً وأمنياً لواشنطن في مواجهة التمدد الصيني.
وليس ببعيد عنا في الزمن والجغرافية في سوريا والرئيس السوري الجديد احمد الشرع ، فرغم الماضي الأيديولوجي والتنظيمي وارتباطه السابق بجماعات مصنفة إرهابياً، الا ان الحاضر الوظيفي والسياسي مثل أمر واقع رسمت معه الولايات المتحدة الأمريكية خارطة المصالح في ملفات عديدة، كضبط الفصائل المسلحة ومنع عودة تنظيمات عابرة للحدود، وتقليص نفوذ إيران وروسيا، وتقديم صيغة حكم أقل تصادماً مع الإقليم.
ومن هذا المنطلق تعاملت مع الشيعة – مع جزء كبير على أقل تقدير- أنهم شركاء في صياغة مستقبل العراق ومشروعه الجديد.
مثلت الفترة من 2003-2010 الفترة الذهبية والمتميزة للعلاقة بين اغلب القوى الشيعية والولايات المتحدة الأمريكية حيث عادت القوى الشيعية للسلطة عبر الانتخابات في عملية سياسية برعاية وحماية أمريكية في وسط محيط عربي معاد او مقاطع على أقل تقدير لهذه العملية السياسية..
الا ان ذلك الهدوء والعلاقة المتميزة لم تدم طويلا حيث وعلى ما يبدوا ان الامر لم يكن تحالفا استراتيجيا بقدر ما هو تقاطعا زمنيا صنعته المصالح الظرفية..
حيث مرت العلاقة بمرحلة التباعد الحذر بعد انسحاب القوات الامريكية 2011-2014.
ويبدوا هذه المرحلة هي التي بدأت تؤسس لنمط جديد في العلاقة بين واشنطن والشيعة من خلال بروز اكثر لملامح تعزيز النفوذ الإيراني داخل البيئة الشيعية وظهور حالة البرود السياسي في العلاقة بطريقة فهمتها واشنطن ان الشيعة أقرب لطهران.
هذه الهواجس وجدت مصاديقها في” الشراكة ألامنية ” المتوترة بعد دخول قوات داعش الإرهابي واحتلالها لبعض المحافظات العراقية عام 2014م حيث انقسم الشيعة الي محورين :
-شيعة يقاتلون بسلاح وغطاء جوي أمريكي.
-شيعة يقاتلون لكنهم يعادون الوجود الأمريكي او بأقل تقدير يرتاب من الوجود الأمريكي..
لغاية هذه المرحلة ظلت العلاقة مع بعض القوى الشيعية والولايات المتحدة الأمريكية علاقة تحكمها الهواجس لكن لم تصل إلى مرحلة اعلان العداء الصريح..
ان التغير الحقيقي في مسار العلاقة بين الولايات المتحدة والشيعة هو عندما تغير دور السياسي الشيعي إلى :
-شيعة الدولة : حيث العلاقة المتوازنة مع واشنطن للحفاظ على الدولة والاقتصاد.
-شيعة المحور ( جبهة او محور وحدة الساحات) :
حيث الخصومة للولايات المتحدة وان اي مواجهة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة لا بد أن لا تكون محصورة في ساحة واحدة، بل تتحرك في كل الجبهات في وقت واحد ( غزة، لبنان، العراق، اليمن ).
وهنا تحول الشيعي في العراق من شريك سياسي امين في عملية سياسية صاغتها الولايات المتحدة الأمريكية بلمساتها واشاراتها إلى شريك بدأت تراه الولايات المتحدة الأمريكية شريكا مزدوجا يعاد تصنيفه سياسيا وأمنياً..
وهي حالة مشابهة إلى حد كبير بالحالة السنية ابان تشكيل العملية السياسية بعد 2003 حيث رجل السياسة السني الذي يفاوض ويحاور ويناور ..
ورجل البندقية السني الذي يوجه سلاحه نحو الوجود الامريكي ويقف على الضد من العملية السياسية وشراكاتها.
وهي معادلة وضعت السني في حرج ومأزق حاد أمام الراعي الامريكي، وأمام الشريك الوطني، وحتى أمام محيطه الإقليمي، إذ لا يمكن الجمع بين النقيضين: إما خيار الحرب والبندقية، أو خيار الدولة والسياسة والسلام.حيث الندان لا يلتقيان..
وكما طُرح السؤال على العقل السني آنذاك: ما أثر التناقض في الموقف السني على وجوده وتأثيره في المشهد العراقي بعد 2003 ؟ فإنه يفرض نفسه اليوم بذات الإلحاح، على العقل الشيعي في هذه اللحظة التاريخية: ما أثر هذا الانقسام على الحاكمية الشيعية ؟
ان الحاكمية الشيعية تعتمد على ثلاث ركائز :
– الأغلبية المتأتية من الشرعية الانتخابية.
– إدارة الدولة والمؤسسات.
– القدرة على ضبط الأمن وحصر السلاح بيد الدولة.
ان الحاكمية الشيعية لا ينقصها الشرعية الانتخابية رغم علاتها ولا إدارة المؤسسات رغم التلكؤ بسبب الفساد الذي ينهش جسد الدولة ..
بل ما ينقصها هو في قدرتها على حصر السلاح بيد الدولة الذي وجد بسبب ظروف معقدة امنيا وسياسيا. حيث عندما يتحول السلاح خارج اطار سيطرة الدولة الى جزء من معادلة (( وحدة او جبهة الساحات)) ، فإنه بالضرورة يعني ان قرار الحرب والسلم لا يبقى عراقياً خالصاً ، بل مرتبطا بمعادلات إقليمية.
وهنا يكون مفهوم الحاكمية الشيعية أمام محاكمة للشرعية المخدوش بها اصلا بسبب تراكمات الفشل والأفشال والفساد وعدم الارتياح لها محليا واقليميا.
وأمام محاكمة المشروعية حيث السلاح الخارج عن اطار الدولة بما لا يتوافق مع القانون والدستور، وهذا بحد ذاته أضعاف لهيبة الحاكمية الشيعية نفسه كما يرى مراقبون، في لحظة زمنية قد لا تتكرر دهورا وهو موقع الفاعل السياسي الشيعي كقائد أبرز في المشهد السياسي العراقي محاولا في تجربته الوطنية هذه تفنيد امرين :
الأولى : السردية القائلة (( ان الشيعة لا يصلحون لحكم الدولة)) وهي سردية يغذيها عدم الارتياح
” المحلي والإقليمي” لتصدي الشيعة للمشهد السياسي..
الثانية :طمس الصورة النمطية التي تشكلت تاريخيا عنهم كقوة سياسية معارضة محدودة الأفق، تقوم خطابيا على نقد السلطة القائمة واستدعاء المظلومية التاريخية بوصفها الإطار الغالب لفهم الذات والتحرك السياسي.
ان المفارقة السياسية التي صُممت لاستراتيجية
(( وحدة الساحات)) هي لتوسيع نفوذ محور المقاومة وحماية الحاكمية الشيعية.لكن هذه الاستراتيجية ادت إلى نتيجة معاكسة تماما كما يرى مراقبون..
ففي العراق مثلا وبدلاً من تقوية الحاكمية الشيعية ادت إلى تهديد وأضعاف وتآكل الحكم الشيعي.
ودفعت إلى أزمات داخلية بين كل دولة ومحورها.
وهنا يثور السؤال الأخطر والاكثر أهمية والذي لا يتعلق بماذا تريد واشنطن لان اشنطن تدرك أن الشرعية السياسية في العراق تمر عبر البيت الشيعي جلذلك هي لا تستطيع تجاوزه .
بل ان السؤال الأخطر هل ان الشيعة ” المحور ” نفسه يريد نموذج الدولة أم نموذج السلاح ؟.
يبدوا ان قوى السلاح الشيعية ومثلها أيضا قوى المحور الأخرى مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن تنتهج نموذجاً هجيناً يسعى للجمع بين الدولة والسلاح معا وليس الاختيار بينهما، حيث يعتبرون السلاح جزءاً لا يتجزأ من هويتهم العقائدية والسياسية لضمان وجودهم داخل الدولة وبقائهم قوة مؤثرة محليا وإقليميا.
فهي لا تريد نموذجاً للدولة المدنية الحديثة التي تحتكر كل السلاح، ولا تريد نموذجاً للمليشيا المنفلتة تماماً، بل تسعى لتأسيس نموذج ” الدولة ذات الجيشين ” (جيش نظامي، وقوة مقاومة )، بحيث يكون السلاح غير الرسمي ” الرديف ” للجيش طرفا مؤثرا او الأكثر تأثيرا في مؤسسات الدولة الرسمية.
ان الشيعة كما يرى باحثون بعد 2003 وعبر قرن من الزمن لم يتصدروا المشهد السياسي بشكل فاعل في بناء الدولة العراقية ولذلك ربما هم أحوج من غيرهم لبناء ” الدولة الانموذج”. نموذج الدولة لا نموذج الجبهة، نموذج الدولة حصرية القرار لا نموذج دولة مزدوجة الإرادة والقرار الذي يصادر المكتسبات الشيعية بعد 2003 م.
ان السلاح كان وسيبقى أداة ظرفية لا قاعدة حكم
فالسلاح قد يكتسب الشرعية في لحظات معينة مثل:
مقاومة الاحتلال، او مواجهة تهديدات وجودية، كتنظيم داعش الإرهابي ، او غياب التمثيل السياسي لطيف اجتماعي معين.
لكن ان تتحول الأداة الطارئة إلى قاعدة دائمة للحكم فان ذلك يخلق مشكلة داخل بنية النظام الذي يشكل الشيعة عصبه الأساس.
ان التناقض والازدواجية في المشهد الشيعي هو نقطة الضعف البنيوية في الحكم الشيعي بالعراق، وأن تسويق فكرة السلاح لتعزيز الحاكمية الشيعية لا تصمد نقديا، فتعدد مراكز القوة المسلحة لا يعني تعددية صحية، بل انقسام في مفهوم الشرعية نفسه : يا ترى من يحكم ؟؟ القانون أم القوة ؟؟
وهو ايضا لا يصمد امام النقد في ظل مصاديق الواقع من الانشطار السياسي الحاد الذي يتمظهر هنا وهناك داخل المجتمع الشيعي، لتعارضه مع منطق الدولة، كون الحكم هو أقرب إلى سلطة الجماعة لا سلطة الدولة.
هذه الدولة التي يشكل فيها المجتمع الشيعي الغالبية في التمثيل السياسي والتنفيذي الذي يشكل ضمانة وحماية للوجود الشيعي من اي قوة أخرى.
ان الدولة حين تحتكر القانون ولا تحتكر السلاح، فإنها تفقد جوهر سيادتها، وتتحول إلى كيان مزدوج الرأس فيه قراران : قرار رسمي وآخر موازٍ يفرض نفسه بالقوة.
وهذا بالضرورة يؤدي إلى ضعف وتآكل ثقة المجتمع الدولي بالحكم الذي يمثل الشيعه عموده الفقري.
اننا في هذه المرحلة الحساسة بحاجة إلى مصارحة داخلية جريئة من خلال إعادة تعريف المصلحة الشيعية من خلال المصلحة الوطنية وطرح الأسئلة الكبرى من جديد.
وأولى هذه الأسئلة هي :
– هل مصلحة الشيعة في دولة قوية ؟ ام في فصائل قوية ؟
– هل السلاح وسيلة.. ام السلاح عقيدة وهوية ؟
– هل الشيعة بحاجة لمشروع شيعي وطني ام لمشروع فصائلي.؟
– اذا كان الشيعة اغلبية وهم في عصر التمكين والقوة وهم يحملون السلاح !!
فماذا عساهم فاعلون لو كانوا اقلية ؟
هذه الأسئلة ينبغي أن تتصدر جدول أعمال القيادات الشيعية في المرحلة المقبلة، في ظل التحولات العميقة التي أفرزتها المواجهة الإيرانية–الأمريكية، والحرب بين إسرائيل وحزب الله، وما رافقها من استهداف مباشر لقيادات في الفصائل والحشد الشعبي.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة نقدية هادئة للمسار السابق، لا تقوم على التبرير بقدر ما تقوم على الفهم العميق لما تراكم من تجارب، وما أفرزته من مكاسب وكلف في آن واحد.
ان المرحلة الراهنة لا تحتمل إدارة تقليدية للملفات، بل تتطلب إعادة تقييم شاملة للخيارات الاستراتيجية، وإعادة ضبط إيقاع العلاقة بين أدوات القوة والسياسة، وبين الداخل والخارج، بما ينسجم مع طبيعة التحولات الجارية في الإقليم.
فما بعد 7 أكتوبر لم يعد امتدادًا زمنيًا لما قبله، بل لحظة انعطاف كبرى أعادت صياغة قواعد الاشتباك، وأدخلت المنطقة في معادلات جديدة تتجاوز المفاهيم التقليدية للأمن والتوازن والردع، وتفرض تفكيرًا مختلفًا في مستقبل الحضور والدور والموقع داخل هذه البيئة المتغيرة



