هل يراهن المالكي على اللحظات الأخيرة؟

د.حسام ممدوح
بات من الواضح أن الكتل النيابية العراقية تتعامل بحالة من البرود إزاء تجاوز التوقيتات الدستورية، لاسيما ونحن نتكلم عن مرور أكثر من أسبوعين على الموعد المفترض للتصويت على منصب رئيس الجمهورية والذي لم يتم إلى الآن.
وحتى اللقاءات التي تجمع رؤساء تلك الكتل باتت متكررة بشكلٍ رتيب لا ينم عن أي تحوّل في المشهد السياسي، فلا جديد يذكر ولا قديم يعاد.. فما الأسباب التي تقف خلف هذا الشلل السياسي؟ وما المآلات المرتقبة للمشهد السياسي العراقي؟
هذا الجمود لا نعيشه في العراق لأول مرة، وإنما يمكننا استدعاء نمطاً مشابهاً له إبان تشكيل الحكومات السابقة، ويبدو اليوم أنه جزءًا من عملية إدارة للأزمة القائمة من قبل الإطار التنسيقي، وتحديداً الكتلة الداعمة لترشيح زعيم إئتلاف دولة القانون نوري المالكي لمنصب رئيس مجلس الوزراء.
وبالعودة لسيرة السيد المالكي -لاسيما ولايتيه قبل عشر سنين- يتأكد لنا أن الرجل يحمل من الدهاء الشيء الكبير الذي مكنه من إدارة البلاد خلال ثمان سنوات بطريقة مختلفة ومفاجئة لجميع شركاءه السياسيين، ففي الولاية الأولى التي وصلها بقبيل الصدفة -بعد أن بات الجعفري خياراً غير مقبولاً على مختلف المستويات الداخلية والخارجية- أظهر المالكي وبشهادة الدبلوماسي الأميركي المخضرم زلماي خليل زادة تقارباً كبيراً مع توجهات الإدارة الأميركية وأقنعها بأنه شخص يعمل بشكل متوازن وقادر على أن يمارس أدواراً سياسية على مختلف الخطوط الإقليمية والدولية.
صولة الفرسان كانت العلامة الفارقة والنقطة التي أظهرت أن شخصية المالكي تتعامل مع القوى السياسية على قدم المساواة، وأن الحكومة القائمة آنذاك ساعية لبناء حالة من الشراكة مع جميع الفرقاء، كيف لا وهو يضرب الفصيل الشيعي المسلح الأبرز على الإطلاق “جيش المهدي”.
لذلك كان الدفع الأميركي باتجاه ولاية ثانية للمالكي -على الرغم من أنه ليس الفائز في انتخابات العام 2010- لإضفاء مزيد من الاستقرار على المشهد السياسي العراقي.
وهنا كانت المفاجأة، ما ظهر بعد العام 2010 شخص مختلف تماماً، فض الشراكة مع الجميع واستخدم خطاباً يكاد يخلو من الدبلوماسية برسائل مباشرة للداخل والخارج، وجميعنا يتذكر أن المالكي أدارة أكثر من أربع وزارات وكالةً في حكومته بعد انسحاب جبهة التوافق إعتراضاً على نهج الحكومة آنذاك، بل إنه تصادم مع المظاهرات التي تفجرت بها المحافظات السنيّة بما كان أحد أهم الأسباب التي أدت لتسلل تنظيم داعش لهذه المحافظات وانتهى المشهد إلى احتلال أكثر من ثلث مساحة العراق.
واليوم، وإزاء المواقف المتباينة من ترشيح المالكي لمنصب رئيس الحكومة نجد الشخص متمسكاً بهذا الترشيح جاعلاً إياه موقفاً وطنياً لا يمكن التخلي عنه مهما كانت الضغوط وأياً كانت النتائج.
ترشيح المالكي الذي وبحسب قيادات في الإطار التنسيقي حضي بمباركة شفهية من المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي قوبل برد فعل أميركي أميركي متباين، بدأ الأمر بتغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي أوضح فيها أن المالكي خياراً “سيئاً”، وأن وصوله إلى السلطة قد يعني توقف المساعدات الأميركية إلى العراق. هنا تعامل الإطار مع هذا الموقف السياسي وفق مستويين، الأول هو المستوى الداخلي؛ والذي روّج من خلاله الإطار التنسيقي -تحديداً الجناح المؤيد للمالكي- أن تغريدة ترامب لا تعبر عن موقف الرئيس الأميركي وإنها جاءت بتدخل مباشر من المبعوث الأميركي إلى العراق مارك سافايا، وأن المالكي بإمكانه ترتيب الأمور مع أميركا وأن الولاية الجديدة له لن تكون كسابقاتها.
خارجياً، أندفع المالكي بلقاءات متتابعة مع ممثلي الإدارة الأميركية لمناقشة الملاحظات المتعلقة بشخصه، في حركة هدفها تجميل صورته أمام إدارة الرئيس ترامب، وتبيان أن وجوده في منصبه سيكون صمّام أمان لضبط الفصائل المسلحة، وأنه لن يكون معبّراً عن المصالح الإيرانية بأي شكل من الأشكال.
هذه التحركات من المفترض أن تكون محكومة بعامل الزمن، فالعراق أمامه توقيتات دستورية والأمر ليس على إطلاقه، هنا كان اللعب بعامل الوقت داخلياً وخارجياً.
فعلى المستوى الداخلي يبدو أن تيار المالكي في الإطار وخارجه يعمل على تأجيل الجلسة المفترضة للتصويت على رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، فإثر تمسّك المالكي بترشيحه لم يعد أمام الشركاء الخصوم -إن صح التعبير- في الإطار التنسيقي سوى التعامل معه كواقع حال لابد من المضي به إلى مجلس النواب، بالتالي فترتيب وصول المالكي لرئاسة مجلس الوزراء منوط بترتيب العلاقات مع مختلف الشركاء الكورد والعرب السنة وهذا يحتاج لوقت، بالتالي فتأجيل الجلسات مع إصرار الإطار -ولو في العلن- على المالكي مرشحاً وحيداً لمنصب رئيس الحكومة سيجبر بقية الأطراف على التعامل معه كأمر لا مفر منه.
وهنا يستفيد المالكي من نقطتين، الأولى متعلقة بالعرب السنة والذين أظهروا إنقساماً واضحاً في التعامل مع ترشيح المالكي، وبات المجلس السياسي الوطني عنواناً لا وجود له بعد أن بدأت مواقف القوى السنيّة تعلن كلٌ على حدة.
أما الثانية فهي الإنقسام الكوردي حول المرشح لمنصب رئيس الجمهورية، والذي بات عائقاً حقيقياً أمام المضي باتجاه حسم الاستحقاقات الدستورية.
أما على المستوى الخارجي فإن المالكي اليوم يحاول كسب الوقت منتظراً اتفاقاً أميركياً – إيرانياً قد يعيد ترتيب الأمور بما يتيح له العودة للمنصب الذي شغله على ولايتين، كيف لا وهو الحال الأنسب من وجهة النظر الأميركية -بحسب تصور مقربين منه- كونه القادر على ضبط الفصائل المسلحة والخيار الأنسب لطهران كونه معروفاً بعلاقاته الوثيقة معها.. وهنا قد تمضي خطة التعامل مع الوقت وفقاً لما مخطط له.
لكن هل يأمن الإطار والمالكي سكوت الشارع العراقي طيلة هذه المرحلة، لاسيما وهو يواجه تحديات عدة باتت تمس معيشته الخاصة..؟



