إيران… حين تتحوّل المراوغة إلى قرار بالانتحار السياسي

بقلم/ فاضل يونس

لم تعد أزمة إيران مع الولايات المتحدة محصورة في البرنامج النووي، ولا في الصواريخ البالستية، ولا حتى في شبكة الميليشيات التي بنتها طهران على امتداد الإقليم خلال العقود الماضية. جوهر الأزمة أعمق من ذلك بكثير: الأول أن السياسي الإيراني يعيش خارج الزمن، ويصرّ على إدارة صراع مصيري بمنطق المراوغة، وهي أداة تصلح لشراء الوقت، لا لمواجهة تحوّل استراتيجي حاسم في موازين القوة. والثاني أن نظرة واشنطن لا تقتصر مع طهران على البرنامج النووي، الصواريخ البالستية والميليشيات التابعة لها، بل ترى أن جوهر الأزمة يكمن في طبيعة النظام ذاته واستمراره في زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط عبر تصدير أزماته الداخلية إلى الخارج، فيما كان يُعرف سابقاً بـ«تصدير الثورة».
في المرحلة التي سبقت ما يُعرف بـ«حرب الاثني عشر يوماً»، كانت واشنطن شروط محدودة، تقوم على فرض ضوابط صارمة على البرنامج النووي الإيراني، من دون التطرّق الجدي إلى ملف الصواريخ البالستية أو تفكيك منظومة الميليشيات الإقليمية. كان ذلك العرض، بكل المقاييس، فرصة سياسية لطهران لتجنّب الصدام، والحفاظ على النظام، وتثبيت موقعها الإقليمي ضمن سقف واقعي من التنازلات.
لكن ما حدث جاء على النقيض تماماً. السياسي الإيراني، المنفصل عن قراءة الواقع الدولي، قرأ تلك المطالب بوصفها دليل ضعف أميركي، فاختار الرفض والمماطلة والتصعيد الخطابي، معتقدًا أن الزمن يعمل لصالحه، وأن بعض المتغيّرات ستُحدث خلخلة في الموقف الأميركي، وأن واشنطن ستعود عاجلاً أم آجلاً إلى طاولة التفاوض بشروط اقل تشدداً. هذه القراءة لم تكن خاطئة فحسب، بل كانت انتحاراً سياسياً أدّت إلى أن يأمر الرئيس الأمريكي ترامب بقصف البرنامج النووي الإيراني.
بعد حرب الاثني عشر يوماً، جاءت النتيجة طبيعية: رفع سقف المطالب الأميركية، ولم تعد الولايات المتحدة تتحدّث عن «ضبط» البرنامج النووي، بل عن «تفكيكه». ولم يعد ملف الصواريخ البالستية تفصيلاً مؤجّلاً، بل شرطاً مركزياً، كما أصبح التخلي عن شبكة الميليشيات جزءاً لا يتجزأ من أي تسوية محتملة. بعبارة أوضح، انتقلت واشنطن من سياسة الاحتواء إلى استراتيجية الإنهاء وقطع الأذرع.
ورغم نتائج حرب الاثني عشر يوماً وهزيمة القوات الإيرانية، لا يزال الخطاب الرسمي في طهران يتصرّف وكأن شيئاً لم يتغيّر. يخرج «حائك السجاد» الإيراني ليعلن استعداده لتنفيذ مطالب ما قبل حرب الاثني عشر يوماً، أي التفاوض حول الملف النووي، متجاهلاً أن تلك المطالب سقطت سياسياً، وأن عرض الأمس لم يعد مطروحاً اليوم، بفعل نتائج الحرب الأخيرة واختلال موازين القوة لصالح واشنطن وتل أبيب. هذه السياسة تكشف عجزاً عن فهم حقيقة أن السياسة تُدار وفق موازين القوة لا وفق الأمنيات.
المفارقة الأخطر أن طهران تتصرّف وكأن تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب هذه المرّة، مجرد وسيلة ضغط لتحسين شروط التفاوض، بينما الحقيقة إن اندلعت المواجهة ستكون مساراً مفتوحاً قد ينتهي بإسقاط رأس النظام أو شلّه بالكامل. وعند تلك اللحظة فقط، سيقبل النظام الإيراني بكل ما رفضه سابقاً: النووي، والصواريخ، والميليشيات… ولكن بعد فوات الأوان.
الملخص الدول الكبرى لا ترفع سقف مطالبها ثم تعود إلى الوراء، ولا تلوّح بالخيار العسكري إلا عندما تكون قد حسمت قرارها سياسياً. تجاهل هذه الحقيقة ليس رهاناً على القوة، بل مقامرة على الوهم.
والسؤال اليوم لم يعد ما إذا كانت طهران ستجلس إلى طاولة المفاوضات وتقبل الشروط الأميركية، بل متى ستفيق من أوهامها بكونها إمبراطورية أو شرطي المنطقة، لتدرك أن أحلامها السياسية انتهت، وأن العودة إلى الواقع لم تعد خياراً يمكن تأجيله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار