خبير : التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة لا يُنهي عصر النفط العراقي

خاص|
في ظل تصاعد الحديث العالمي عن التحول نحو الطاقة النظيفة، يبرز تساؤل واسع حول مستقبل النفط، ولا سيما في الدول الريعية مثل العراق، وسط مخاوف من فقدان مصدره الاقتصادي الرئيس. غير أن الواقع، وفق مختصين، يبدو أكثر تعقيدًا مما يُتداول، إذ إن النفط العراقي لن يختفي في المستقبل القريب، لكنه قد يكشف هشاشة منظومة الإدارة والاقتصاد والسياسة في الدولة الريعية.
ويؤكد خبير شؤون الطاقة يحيى العقابي لـ“منصة جريدة” أن العراق يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة تُقدَّر بنحو 151 مليار برميل، مع إنتاج حالي يقارب 4.5 مليون برميل يوميًا، مشيرًا إلى أن معظم الصادرات النفطية العراقية تتجه إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين والهند، حيث لا يزال الطلب قويًا ومستقرًا نسبيًا.
وبينما يتجه العالم تدريجيًا نحو الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، تشير توقعات منظمة أوبك ووكالة الطاقة الدولية إلى أن النفط سيبقى مكوّنًا أساسيًا في مزيج الطاقة العالمي، إذ يُتوقع أن يشكل نحو 30% من إجمالي الطاقة الأولية بحلول عام 2050، مقابل حصة تتراوح بين 25 و26% للطاقة المتجددة. ويعني ذلك، بحسب العقابي، أن النفط العراقي سيظل مطلوبًا في الأسواق العالمية، خاصة بسبب انخفاض كلفته ونوعية خامه، حتى مع تغيّر أنماط الاستهلاك.
وأوضح العقابي أن توسع استخدام الطاقة النظيفة يتركز أساسًا في قطاع توليد الكهرباء، ما يؤدي إلى تقليل الاعتماد على النفط في هذا المجال، إلا أن ذلك لا يشمل الاستخدامات الصناعية الأخرى، مثل تكرير النفط وصناعة البتروكيمياويات والمشتقات الثقيلة، والتي ما زالت تمثل نسبة كبيرة من الطلب العالمي على النفط.
وأشار إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة بحد ذاته، بل في طريقة إدارة العراق لموارده النفطية، حيث يعتمد بشكل شبه كامل على تصدير الخام لتمويل الموازنة العامة، مع ضعف واضح في الاستثمارات الموجهة إلى قطاعي التكرير والبتروكيمياويات والغاز، فضلًا عن غياب رؤية واضحة لتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الريع النفطي.
وحذر العقابي من أن هذه العوامل تضع العراق أمام نافذة زمنية محدودة لاستثمار ميزة النفط منخفض الكلفة، مؤكدًا أن عدم استغلال هذه الفرصة سيجعل البلاد عرضة لصدمات مالية واقتصادية حادة عند أي تقلب في الأسواق أو تراجع في الطلب، حتى وإن بقي النفط مطلوبًا نسبيًا.
ودعا الخبير العراقي إلى التركيز على تطوير صناعة المشتقات النفطية والبتروكيمياويات، وتحويل الغاز الطبيعي إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، معتبرًا أن الغاز يمثل موردًا صناعيًا مستقلًا وطاقة أنظف يمكن توظيفها داخليًا لدعم الاقتصاد.
وختم العقابي بالقول إن العالم يتغير بسرعة مع التوسع التدريجي للطاقة النظيفة، ما يطرح سؤالًا جوهريًا أمام العراق: هل سيستثمر وقته وموارده لبناء اقتصاد مستدام، أم سيبقى رهين الريع النفطي، بكل ما يحمله من مخاطر مالية وسياسية محتملة؟



