معضلة سعر الصرف: بدائل الحكومة بين التمويل بالعجز والاستقرار الاقتصادي

بقلم/ د. احمد هذال/ أستاذ الاقتصاد المالي

في ضوء المؤشرات المالية لموازنة 2026، يبدو أن سعر الصرف سيكون محور القرار الاقتصادي وخط الدفاع الأخير أمام اتساع فجوة العجز التي يتوقع أن تصل إلى 70–90 تريليون دينار، فمع تباطؤ الإيرادات غير النفطية، وارتفاع النفقات الجارية، وتراجع قدرة الاقتراض الداخلي، تدخل السياسة المالية في منطقة حرجة تجعل الحكومة أمام خيارات محدودة وصعبة.

أول الحلول المنطقية يتمثل في ترشيد الإنفاق وضغط النفقات التشغيلية غير المرتبطة بالرواتب والسيطرة على الايرادات غير النفطية من خلال نظام اتمتة وجباية صارم فضلاً عن اصلاح ادارة الدولة المالية والحد من انتشار الفساد الاداري والمالي، وهو ما يمكن أن يقلّل العجز بنسبة كبيرة، كما أن تقليص الامتيازات وفرض ادخار إلزامي على كبار المسؤولين يمكن أن يضيف قدراً كبيراً للمالية العامة فضلاً عن كون هذا الاجراء بمثابة حّسن نية تقدم للمجتمع حتى يتقبل تكاليف الاصلاح الباهضة، كما وقد يوفر بيع أو استثمار جزء من أصول الدولة ما بين 10–15 تريليون دينار فقط، وهو مبلغ لا يغطي سوى جزء محدود من الفجوة، وحتى عند تطبيق هذه الإجراءات مجتمعة، يبقى العجز مرتفعاً ولا يمكن تمويله بالكامل عبر الاقتراض الداخلي دون المخاطرة بقفزة كبيرة في الدين الداخلي، لذلك يجب ان يكون الاصلاح حقيقي عبر اجراء “عملية جراحية” لبنود الانفاق والايرادات بشكل هيكلي.
يظهر سعر الصرف كخيار قصير الاجل، فالحكومة تدرك أن الموارد الناتجة عن رفع سعر الصرف هي الأسرع والأكبر قدرة على سد فجوة التمويل، إذ يشير الاتجاهات والسيناريوهات المحتملة إلى أن رفع السعر من 1300 إلى 1500–2000 دينار يوفّر ما بين 15 إلى 70 تريليون دينار بحسب مستوى الرفع وحجم مبيعات الدولار، وهو ما يجعل تعديل السعر أداة مالية جاهزة تلجأ إليها الدولة عندما تعجز الأدوات التقليدية عن سد الفجوة، وهنا اعتقد ان هذه السياسة تعتبر ضريبة يدفعها الاقتصاد نتيجة حفاظ السياسة النقدية عليه طوال مدة التثبيت.
وبناءً على ذلك، ممكن تتجه الحكومة الى دمج ادوات التمويل بدل الاعتماد على خيار واحد:
1-تخفيض حقيقي للنفقات التشغيلية بنسبة 15–20%.
2-إصلاح في منظومة الإنفاق والرقابة المالية لضمان عدم تكرار التضخم المصطنع في النفقات.
3-بيع واستثمار أصول محددة ذات سيولة عالية لتأمين موارد سريعة.
تعديل تدريجي ومدروس لسعر الصرف نحو 1500–1700 دينار كبداية، مع خطورة الوصول إلى 2000 في حال عدم تحسّن الإيرادات النفطية.
إنّ دمج هذه الأدوات معاً يخفف ضغط العجز إلى حدود يمكن تمويلها داخلياً، وقد يدفع البنك المركزي ثمن هذا التعديل عبر احتياطياته على اعتبار ان اغلب الانفاق الحكومي موجه نحو الاستهلاك ويعتبر اداة للطلب الكلي الفعال الموجه نحو الاستيرادات الممولة والمغطاة بسعر الصرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار